top of page

اليوم الثالث: 22 فبراير 2024

الجلسة الخامسة: 10:00 - 11:30

السلام والتنمية الاقتصادية

 

رئيس الجلسة:

            الدكتور أحمد عتيقة - ليبيا

المعقب الرئيس:

            الدكتورة عادلة رجب - جمهورية مصر العربية

المتحدثون:

أ- اقتصاد السوق الحر:

            1- الدكتور جوليوس سين - المملكة المتحدة

            2- الدكتور عامر التميمي - الكويت

ب- اقتصاد السوق الاشتراكية:

            3- الدكتور أناستاس أنجيلي - ألبانيا

            4- الدكتورة نيفيلا راما - ألبانيا


 

 

أ- اقتصاد السوق الحر

1- الدكتور جوليوس سين - المملكة المتحدة

مقدمة

إشكالية الدراسة ومنهجيتها

الثقافة والتراث باعتبارهما قوة موحدة

الثقافة والتراث كقوة انقسام

الثقافة والتراث: في الإجمال          

السلام الداخلي والدولي

أفكار للتنمية الاقتصادية

الاستنتاجات

قائمة المراجع

 

إهداء

هذه الورقة مهداه بشكل خاص لذكرى المرحوم عبدالعزيز سعود البابطين الذي نسترشد جميعًا بإلهامه ومُثُلِهِ.

تغمد الله الفقيد بواسع رحمته

المقدمة

سوف أتحدث بشكل محدد حول الموضوع الذي خُصِّصَ لي للحديث عنه ضمن الإطار العام للمنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل، وفي سياق المحور الخامس على وجه التحديد، حول اقتصاد السوق الحر والسلام والتنمية.

وكما يعرف الجميع، فإن كل موضوع من هذه الموضوعات الثلاث يتمتع بقدر كبير من الأهمية، وقد كانت ولا تزال هناك العديد من النقاشات الحية التي تقدم باستمرار وجهات نظر ورؤى جديدة ومختلفة، لا تقدم أيًّا منها وجهة نظر محسومة ولا يمكن ان تفعل ذلك أيضًا، وهو ما يجعل من المستحيل تطبيق منهجية ثابتة وراسخة.

وهذا يعني أيضًا أنه يمكنني تجربة منهجيتي ونهجي الخاصين للغرض المحدد من وراء هذه الورقة البحثية، وهو ما أقترح القيام به، كما أود استخدام المسار الذي طرحته العديد من الدراسات الثقافية بمفهومها الأوسع للنظر في كيفية دراسة هذه القضايا الثلاث معًا، وربما تكون أهميتها المتبادلة مفهومة بشكل أفضل عندما نستكشف كيف يمكنهم العمل على تعزيز بعضهم البعض.

أقترح أن ننظر إلى هذه القضايا في سياق الهند بشكل محدد؛ حيث ساعدت نهضتها الثقافية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، من قبل فترة طويلة وحتى السنوات الأولى من الاستقلال، في تشكيل وصياغة السياسات عبر الطيف بأكمله، ومن المثير للاهتمام أن هذه الديناميكيات الثقافية الأساسية هي التي توفر من وجهة نظري إطارًا تفسيريًا موحدًا يساعدنا على فهم الخيارات التي تم اتخاذها عند إنشاء هوية ونظام حكم للدولة الهندية الحديثة بشكل أفضل، وفي اختيار نموذج اقتصادي يعطي الأولوية لهدف التنمية العادلة.

 

إشكالية الدراسة ومنهجيتها

الأسئلة التي أود تناولها على وجه التحديد في هذه الورقة هي التالية:

"كيف تعامل القادة الوطنيون في الهند مع الآثار المثيرة للانقسام للتصنيف العرقي والديني واللغوي والثقافي التي طورها واستخدمها البريطانيون على نطاق واسع خلال الفترة الاستعمارية (1757-1947)، وكيف أعادوا هيكلة النظام لمواجهة تحديات التنمية الاقتصادية؟"

سوف تستند المنهجية التي أقترح استخدامها إلى المصادر التاريخية والروايات السردية من العلماء الهنود والبريطانيين والدوليين ممن كان لهم نشاطات محددة خلال تلك الفترة أو ممن قاموا بتحليلٍ لأبعاد تلك الفترة من التاريخ، والفكرة هنا تتمثل في إثبات أن وجهات النظر الثقافية حول ماضي الهند قد وفرت مسارًا للقادة الوطنيين ليتبعوه. من المؤكد أن هذا النهج لا يمكن أن يعكس سوى وجهة نظر جزئية للكمية الهائلة من المواد المتاحة، لذلك حاولت قدر الإمكان ان أربط مصادري بالقضايا الرئيسية الناتجة عن الإشكالية التي يطرحها البحث. يمكن اعتبار حقيقة أن قيام باكستان كدولة ذات أغلبية مسلمة على أنها فشلًا للقيادة القومية في منافسة استراتيجية "فَرِّق تَسُد" التي تتبناها بريطانيا. وفي الوقت نفسه، يمكن اعتبار الطريقة التي أعادت بها الهند المستقلة تشكيل نظامها السياسي والدستوري لتعكس آراء القادة القوميين استجابة ناجحة للسياسات البريطانية.

يتمثل الإطار الزمني الذي أقترحه لهذه الممارسة في النظر في القضايا التي أدت إلى تقسيم الهند واستقلالها في عام 1947، وكذلك للفترة القصيرة التي تلت ذلك، كما أنني لم أحدد موعدًا نهائيًّا لهذه الممارسة، لكنني سأحاول بصورة موجزة أن أغطي الفترة التي تولى خلالها جواهر لال نهرو منصب رئيس الوزراء (1947-1963)، الذي كانت وفاته بمثابة نهاية حقبة شكَّل فيها قادة حركة الاستقلال النظام الدستوري وبدأوا سياسات اقتصادية من أجل تحقيق التنمية. من المؤكد أن السياسة الاقتصادية شهدت العديد من التغييرات منذ عام 1963، وبالطبع لكلٍّ منها قصة في حد ذاتها، وسوف أقوم بالإشارة إلى البعض منها بكل تأكيد. لقد شهدت الأسواق الحرة تقلبات كبيرة في دورها خلال هذه العملية، ولكن ليس بالقدر الكبير الذي قد يعتقده بعض الناس، كما أن الهند لطالما كان لديها اقتصادًا مختلطًا. إن عناصر الاستمرارية بين ذلك الحين (1947) والآن (2024) أقوى بكثير مما قد يدركه الناس.

 

الثقافة والتراث باعتبارهما قوة موحدة

بدأت عملية "إعادة اكتشاف" تراث الهند بشكل أساسي منذ أواخر القرن الثامن عشر فصاعدًا، من خلال نشاط العلماء البريطانيين المهتمين بالدراسات الهندية ومن خلال النشاط الذي كان يقوم به علماء البراهمة الهنود التقليديين ممن ارتكز نشاطهم على استعادة النصوص السنسكريتية والنصوص الكلاسيكية الأخرى من المراجع القديمة، وهي الجهود نفسها التي أكدها العلماء البوذيون النشطين في سريلانكا وميانمار والتبت وأماكن أخرى. كانت نقطة البداية هي التأكيد على أن إمبراطورية شاسعة يحكمها شخص يدعى أشوكا العظيم (304-232 قبل الميلاد)، وأنه طبق الفلسفة والتعاليم البوذية بنشاط خلال فترة حكمه، داخليًا وخارجيًا. لم يتم تأكيد وجود هذا الحاكم على الإطلاق حتى منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

وقد أدى هذا الاكتشاف أيضًا إلى إدراك حقيقة أن بوذا نفسه كان شخصًا حقيقيًا، وأنه كان أميرًا يحكم مملكة شاكيا الواقعة في شمال الهند على الحدود مع نيبال. وقدم هذان الاكتشافان، اللذان كانا غير معروفين إلى حد كبير للعلماء الهنود على الرغم من وجود العديد من المراجع الأسطورية والدينية والأسطورية حولهما في الوقت نفسه، نموذجًا متميزًا يمكن الاعتراف به للقيادة الفكرية والثقافية والسياسية الناشئة في الهند لاستخدامها في معركتها الأوسع مع المبادئ البريطانية حول تخلف الهند.

من خلال هذا البحث، لم يمكن تأكيد وجود تراث مستمر وغير منقطع بين الماضي القديم والحاضر فحسب، بل وُجد أن العديد من تعاليم بوذا والمبادئ الحاكمة لأشوكا العظيم تعتبر ذات صلة معاصرة ومتوافقة تمامًا مع الأنظمة الحاكمة الحديثة، لكنها كانت أيضًا قوية في تطبيقها وصلتها بالسياسات الداخلية المتعلقة بالتسامح والوئام، والوحدة الأساسية للبشرية جمعاء، وفي الوقت نفسه في تنظيم العلاقات الدولية من خلال الاحترام المتبادل ونبذ العنف.

من المؤكد أنه كان هناك أوجه تشابه قوية مع حركات الإحياء والاستقلال في العديد من البلدان الأخرى عبر الطيف الاستعماري، لكن إيجاد صلة مع التعاليم البوذية القديمة (والجينية) أعطى الهند بطريقة أو بأخرى إطارًا جاهزًا بدا أنه يتناسب تمامًا مع متطلبات مجتمع ما بعد الاستعمار الذي يحاول إعادة اكتشاف هويته بينما يدخل إلى العالم الحديث في الوقت نفسه.

في حالة الصين، على سبيل المثال، في حين أن تشخيص عللها ومشاكلها كان مشابهًا إلى حدٍّ ما لتشخيص المشاكل والعلل التي كانت موجودة في الهند، إلا أن العلاجات أو الحلول المقترحة لم يكن لها سوى صلة محدودة بالتقاليد القديمة؛ حيث كانت الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية والفلسفات القديمة الأخرى تشبه البراهمية بتقاليدها الأبوية والهرمية القوية، وبالتالي فإن خطاب الصين يميل إلى التأرجح بين الأفكار الغربية للتحديث (الليبرالية أو الاشتراكية)، وبين أفكار إصلاحية تهدف إلى القضاء على الانتهاكات الاجتماعية مع الحفاظ على احترام هذه التقاليد  نفسها من منظور ثقافي.

استندت فكرة الصين القوية والموحدة بالطبع إلى سلسلة طويلة من الأمثلة الامبراطورية التي سعت إلى توحيد الصين وتقويتها مع ردع الآخرين عن التدخل في الوقت نفسه. يكمن إنشاء شبكة روافد واسعة من الدول المجاورة والتابعة في صميم الاستراتيجيات الامبراطورية للحفاظ على السلام والاستقرار داخل المنطقة كسياسات مصاحبة للتقاليد الداخلية للكونفوشيوسية والبوذية والطاوية. وهكذا كانت الصين باعتبارها المملكة الوسطى سمة أساسية لهذا الترتيب، وكان دور الإمبراطور هو دعم "تفويض السماء".

ربما نرى تشابهًا أقوى وأوضح للهند القديمة مع حضارتي مصر القديمة  والحضارة الفارسية القديمة؛ حيث تم "إعادة اكتشاف" تاريخ وثقافة ولغة وتقاليد حضارتي مصر وفارس القديمتين خلال القرنين السابع عشر والتاسع عشر على التوالي، مما ساهم بشكل كبير في توليد شعورٍ قوي بالهوية الوطنية والفخر في كلا البلدين.  و لكن على الرغم من ذلك لم يُفهم صلتهما أو أهميتهما بالنسبة إلى التفكير المعاصر بشأن أنظمة الحكم أو المشاكل الاجتماعية أو حتى استكشافهما بصورة كاملة، كما كانت وجهات النظر المصرية والفارسية على حدٍّ سواء تميل إلى تبني فكرة أن نهج التحديث الذي يعتمد على السمات المشتركة للقومية العربية (في حالة مصر)، والإرث الفارسي الإمبراطوري (في حالة إيران) كان أفضل طريقة للمضي قدمًا. وقد جمع هذا النهج مرة أخرى - كما هو الحال مع الصين والهند - بين وجهات نظر وطنية وإقليمية ودولية ضمن سياق تاريخي وثقافي واجتماعي محدد.

ومثلما كان الحال مع الهند، كانت تقاليد القديمة لمصر وبلاد فارس ما قبل الإسلام وما قبل الهلنستية غير مفهومة بشكل جيد حتى مع وجود بقايا أثرية رائعة في كل مكان، ولكن ربما كان الاختلاف هو أنه في حالة الهند "أعيد اكتشاف" الماضي وارتبط مباشرة من خلال المراحل المختلفة من التاريخ الهندي بالهياكل الاجتماعية والقيم الثقافية والممارسات الدينية والنظم الاقتصادية التي سادت في وقت حركة الإصلاح والاستقلال.9

كان هناك فرق كبير آخر؛ ففي حين أن ماضي مصر وبلاد فارس والهند "أعيد اكتشافه" بشكل أساسي من قبل الباحثين الأوروبيين، إلا أنَّ تجربة الهند استفادت بشكل أكبر من المصادر الهندية والبوذية المعاصرة والعقيدة الدينية القائمة والممارسة والأساطير والخرافات والثقافة، مع الاعتماد أيضًا على حسابات إسلامية مختلفة (مكتوبة بشكل أساسي بالفارسية والأردية، البلاط واللغات الأدبية، على التوالي، للمغول)، لتأكيد الروايات التاريخية حول ما حدث بالفعل للمجتمع البوذي في الهند. كما أسهمت ترجمات الكلاسيكيات الهندوسية إلى الفارسية والأردية في فهمٍ أعمق لتراث الهند ضمن الهند المغولية. كان المنظور العام الذي ظهر أقل شبهاً بمنظور "الاستشراق" لإدوارد م. سعيد، وأكثر أصالة من منظور هندي.

ولعل أفضل من يمثل المناصر الرئيسي للنهضة الثقافية في الهند والداعم لها خلال فترة النهضة الوطنية الأوسع في الهند هو السير ويليام جونز (1746-1794)، مؤسس الجمعية الآسيوية للبنغال؛ حيث إنه قام بتنسيق الكثير من الأبحاث والدراسات المتخصصة في علم الآثار وفقه اللغة وأطلق العديد من المنح الدراسية في ذلك الوقت، والتي أصبحت معروفة ومفهومة باسم علم الهنديات.

أصبح جونز وآخرون يعتبرون السنسكريتية اللغة المؤسسة لمجموعة اللغات الهندية الأوروبية التي تضمنت اللاتينية واليونانية.

"اللغة السنسكريتية، بغض النظر عن قدمها، تتمتع ببنية رائعة؛ أكثر كمالاً من اليونانية، وأكثر غنىً من اللاتينية، وأكثر تنقيتاً من كلتاهما، ولكنها تحمل إلى كل منهما تقاربًا أقوى، سواء في جذور الأفعال أو صيغ القواعد النحوية، مما لا يمكن أبدًا أن يكون ناتجًا عن الصدفة..."

إن الاعتراف بأن التقاليد البوذية والهندوسية القديمة قد استمرت حتى وقتنا الحاضر ربطت على الفور خطابات الهند المختلفة حول طبيعة الدولة المثالية والحاكم المثالي بماضٍ بدا مجيدًا ونبيلًا. لقد تطابقت هذه العناصر الحضارية تمامًا مع سمات التنوير للتجربة الأوروبية وبدا أنها تؤكد أهمية المبادئ والفلسفات القديمة لمتطلبات الحاضر.

عند تحويل حركة الاستقلال من أجندة ليبرالية ضيقة نسبيًا إلى حركة اجتماعية وسياسية جماهيرية دمجت هذه المنظورات بالكامل، كان من الممكن تغيير ديناميكيات الحركة واتجاهها تمامًا. كان هذا في جوهره، وبشكل رئيسي، مساهمة غاندي وحدث في الفترة التي تلت عام 1921 عندما دعا إلى العصيان المدني الجماعي (ساتياغراها باللغة السنسكريتية). إن إعادة الاتصال بالماضي وإعادة دمج الأنساب الثقافية في الهند لم تنكر العناصر الإمبراطورية والحضارية للحكم الاستعماري أو تتنصل منها فحسب، بل ساعدت أيضًا في تمثيل حركة الاستقلال على أنها إعادة اتصال بإنجازات الماضي التي تعادل تلك الموجودة داخل أوروبا.

منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعدًا، بدأت الأفكار التي تنادي إلى الإصلاح الاجتماعي والديني ضمن الهياكل التقليدية للهندوسية  والإسلام  في التطور والتعمق مدفوعة إلى حد كبير بالخوف والخجل من الوقوع ضحية لثقافة تجارية سفيهة قادرة على استخدام ميزتها التكنولوجية ومكرها السياسي لتحقيق تأثير سياسي. كان هذا أقرب إلى أجندة التحديث التم تبنيها في أماكن أخرى من العالم، والتي كانت تهدف إلى القضاء على أوجه عدم المساواة والممارسات الإقطاعية والتمييزية القاسية الظالمة، وقد ساعد التكيف المتزامن لأنظمة التعليم الغربية مع الظروف الهندية في دعم هذه العملية الشاملة، بالإضافة إلى أنه شجع أيضًا تطبيق أساليب التنوير في البحث العلمي والنزيه.

مع مرور الوقت، وضع هذا الأساس لشكل أكثر انتشارًا من التحديث داخل العديد من المجتمعات. كان النموذج المتبع بالطبع هو التنوير الأوروبي وتركيزه على البحث العلمي والطريقة التجريبية. غالبًا ما كان دمج وجهات النظر هذه في ممارسات وأنظمة هندية أكثر تقليدية هو هدف هذه الحركات، ووجدت الحركات الراديكالية والثورية نتيجة لذلك صعوبة في اكتساب الزخم الاجتماعي والسياسي.

من خلال هذ المنبر الثقافي، الذي غطى كل جانب من جوانب طيف السياسة، أصبح من السهل نسبيًا رؤية كيف أن الأفكار المستمدة من هذه الاكتشافات حول تراث الهند الغني والنابض بالحياة أيضًا أثرت في سياسات محددة تتعلق بالسلام (الداخلي والدولي)، والاقتصاد (دور الأسواق)، والتنمية، كما أنه من السهل نسبيًا فهم كيف تمكن غاندي (ربما أكثر من غيره) من ربط هذه العملية مرة أخرى بمتطلبات داخلية للتنوير الروحي والتخلي عن الطموحات المادية.

كانت الهند، كما قيل في كثير من الأحيان، دولة تتسم بمستويات لا يمكن تصورها من الفقر والظلم وعدم المساواة، ودولة غلبت عليها الانقسامات نتيجة الاختلافات العرقية واللغوية والثقافية، وفي حين يمكن إلقاء اللوم على النماذج والسياسات  الاقتصادية البريطانية والآثار التراكمية والجماعية للإقطاع والانتهاكات الاجتماعية والتعصب الديني عبر التاريخ في حدوث ذلك بمرور الوقت، إلا أن التحدي الذي واجه حركة الاستقلال كان يتمثل في تقديم شيء أفضل، واقتراح نظام من شأنه معالجة هذه التفاوتات مع دفع حركة التنمية الجادة والشاملة.

مرة أخرى، تراوحت النقاشات، كما هو الحال في بلدان أخرى في وضع مماثل، بين إعادة الهيكلة الثورية الأكثر تطرفًا مقابل التحديث التدريجي. وكان المهاتما غاندي من القادة الذين وضعوا كل هذا معًا وخلقوا رؤية قديمة وحديثة في الوقت نفسه، وإصلاحية وتقليدية، ويمكن التعرف عليها من قبل الناس العاديين؛ حيث كان غاندي ثوريًا أيضًا، ولكن ليس بالمعنى الماركسي، وكانت أدواته المفضلة هي الفلسفة والدين والثقافة، وكان بارعًا في نقل فكرة أنه من خلال الاعتماد على ثقافة الهند وتقاليدها القديمة، ومن خلال تطبيق فلسفات التسامح واللاعنف (ahimsa)، يمكن إنشاء طريق نحو نظام سياسي ديمقراطي متعدد الأعراق ونظام اقتصادي حديث.

وبالنظر إلى الطريقة التي تكشفت بها الأحداث، يبدو أن هناك أربع مراحل لهذا النهج العام؛ الأول هو إعادة اكتشاف ماضي الهند وربطه بالحاضر (وهو النهج الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر)؛ ثم الشروع في الخطاب السياسي - وهو ما بدأ في عام 1886 - للنظر في الحكم والإصلاحات الأخرى داخل الهيكل الإمبراطوري. وقد أفسح هذا المجال في بداية القرن العشرين لاستكشاف طرق لتحويل الحكم الداخلي في الهند إلى نموذج أكثر وطنية، تسود فيه وجهات النظر والأولويات الهندية، والتي ستحظى بدعم شعبي واسع النطاق، وأخيراً للضغط من أجل الاستقلال السيادي الكامل.

تألفت المراحل الثلاث الأولية، التي يمكن تحديدها بسهولة على أنها نتاج أجندة تنويرية، وأنها جمعت بين عمليات ليبرالية ودستورية، والتي تُفهم بشكل أفضل على أنها أجندة تحديث، من البحث الرئيسي في تراث الهند، والمناقشات الاجتماعية والإصلاحية، والالتماسات، والجهود المبذولة لتعبئة الرأي المستنير في كل من بريطانيا والهند. في الواقع، ركضوا جميعًا بالتوازي وشاركوا علماء ومفكرين هنود وبريطانيين.

في المرحلة الرابعة، التي بدأت تقريبًا في 1920/1921، تحول السعي نحو الاستقلال إلى حركة جماهيرية لعب خلالها غاندي الدور المهيمن في إشراك السكان الأوسع نطاقًا، من خلال جعل الروابط الثقافية الموضحة أعلاه بين القيم والممارسات والمبادئ القديمة لمتطلبات العصر الحديث.

كانت فكرة الحركة الجماهيرية في حد ذاتها لعنة للعديد من قادة حركة الاستقلال؛ حيث كانت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة منخفضة بشكل مروع، ومستوى التوترات الدينية (في بعض الأحيان) مرتفع للغاية، بينما كان الوعي بالقضايا المحيطة شبه معدومًا، وكان استخدام الغوغاء لأغراض إجرامية منتشرًا على نطاق واسع. لذلك كان التهديد الاجتماعي الذي تشكله التعبئة الجماهيرية لعامة الناس مخيفًا وشكل تهديدًا خطيرًا للسلام الاجتماعي والاستقرار الداخلي. ومن المفارقات أن هذا الأمر كان يمثل وجهة نظر مشتركة مع المسؤولين البريطانيين الذين منحوا أنفسهم سلطات وصلاحيات أكثر استثنائية لسحق الانتفاضات أو الغوغاء أو أعمال الشغب أو الحركات الجماهيرية.

كما أثارت الحركات الجماهيرية احتمالية شبه محققة لاندلاع أعمال عنف غير منضبطة؛ حيث أنه من المرجح أن تؤدي أي تعبئة جماهيرية للناس بغرض دعم قضية ما أو للوقوف ضد نظام حكم معين إلى حالة من المواجهة التي يصاحبها أعمال عنف، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تفاقم حالة الهشاشة والضعف التي تتسم بها العلاقات المختلفة بين المجموعات الاجتماعية والعرقية ، وقد وقعت العديد من أحداث العنف والقتل الخطيرة بالفعل خلال الفترة ما بين عامي 1918 وأوائل عشرينيات القرن الماضي، واضطر المهاتما غاندي إلى أن يعلق استخدامه للساتياغراها في العديد من هذه المواقف، مدركًا أنه لا يمكن السيطرة على هذه الحركات الجماهيرية في حالة طغت عليها المشاعر والعواطف الشعبية وغابت عنها القوة الأخلاقية المحركة، وقد كان من بين الطرق التي يتبعها غاندي للتعبير عن رفضه لأمر ما أن يعلن عن إضراب طويل الأمد عن الطعام لا يمكن كسره إلا في حال توقفت أعمال العنف، وقد شكك الكثيرون مرة أخرى في اتباع حركة الاستقلال لهذا النهج ودعوا إلى مزيد من المواجهة واتباع الأساليب العسكرية في ذلك.

يبدو أن غاندي قد فهم هذا جيدًا، ويبدو أن العديد من تقنياته التي اعتمد عليها للاحتجاج على أوجه الظلم أو تعبئة الحملات العامة، كانت مستمدة بشكل كبير من المبادئ الأخلاقية، وهكذا نشأت ساتياغراها (أو "قوة الحقيقة"، التي تُفهم بشكل أفضل على أنها عصيان مدني) كحركة غير عنيفة للطعن في القوانين الظالمة ومناهضتها، وفي عام 1930 طبق غاندي هذه الفكرة فيما يُعرف بمسيرة الملح. هذا الفعل الذي انتهك الاحتكار الإمبراطوري لإنتاج الملح - وهو عنصر أساسي من المواد الغذائية التي وجد الفقراء على وجه الخصوص صعوبة في شرائه. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي أن المتظاهرين اضطروا إلى قبول أحكام السجن عن طيب خاطر لتحديهم القانون، وحُكم على غاندي نفسه بالسجن  لمدة 3 سنوات، إلى جانب أكثر من 60 ألف مؤيد لهذه الحركة من جميع أنحاء البلاد. من بين جميع إيماءات الحركة الوطنية، كان هذا التحدي الوحيد للقانون البريطاني الذي كان له التأثير الأكثر عمقًا وانتشارًا.

نتيجة للتغطية الصحفية والإعلامية الواسعة لحملة "ملح ساتياغراها" التي أطلقها غاندي سواء على المستوى الوطني أو الدولي، انتشرت طريقته في المقاومة غير العنيفة بشكل واسع النطاق للغاية في عدة مناطق في العالم لا تهتم في العادة بما تشهده الهند من تطورات، وأبدت العديد من الدول بما في ذلك البرازيل والمكسيك والصومال وبروما والفلبين وأوروبا وجنوب إفريقيا (التي كان قد روج فيها لبعض هذه الأفكار) الكثير من الاهتمام بما يفعله غاندي في الهند، ونجحت حركة ساتياغراها والأساليب التي اتبعها غاندي في مواجهة الظلم في أن تحصل على دعم كبير في جميع أنحاء العالم سواء من الفلاسفة أو الكتاب أو العلماء أو علماء الدراسات الإنسانية وقادة النقابات والشخصيات التبشيرية الهامة في العالم ممن تطابقت أفكارهم ومبادئهم مع المبادئ الأخلاقية والإنسانية العالمية التي كان ينتهجها غاندي، كما أن غاندي أصبح شخصية عالمية معروفة استطاعت أن تطور نهجًا غير عنيف للتعامل مع القمع والأنظمة القمعية في وقتٍ وعالمٍ يتزايد فيه الدعم  القوة التي تتمتع بهما الفاشية والشيوعية، كما أن ما أكسبه هذه الشهرة العالمية الواسعة النطاق اعترافه بأنه تأثر بشدة بشخصيات بارزة في الغرب مثل هنري ثورو، ورالف والدو إيمرسون، وليو تولستوي، وكان على اتصال بشخصية علمية شهيرة مثل آينشتاين.

في هذا المقتطف من كتاب نهرو "لمحات من تاريخ العالم"، يمكننا أن نرى كيف رأى نهرو تطور الدور الذي لعبه غاندي وأساليبه:

"في مطلع عام 1919 كان غاندي مريضًا جدًا، ولم يكد يتعافى حتى امتلأت البلاد بالاحتجاجات ضد قانون روليت، كما انضم بصوته إلى الهتاف العام ضد هذا القانون، لكن هذا الصوت كان مختلفًا بطريقة ما عن الآخرين؛ فقد كان هادئًا وخافتًا، ومع ذلك يمكن سماعه فوق صراخ الجمهور؛ كان صوتًا لطيفًا ورقيقًا، ومع ذلك بدا أن هناك فولاذًا مخفيًا في مكان ما فيه؛ كان مهذبًا ومليئًا بالجاذبية، ومع ذلك كان هناك شيء قاتم ومخيف فيه؛ كل كلمة استُخدمت كانت مليئة بالمعنى وبدا أنها تحمل جدية قاتلة. خلف لغة السلام والصداقة كان هناك قوة وظلال مرتعشة من العمل وتصميم على عدم الخضوع للظلم...كان هذا شيئًا مختلفًا تمامًا عن سياساتنا اليومية من الإدانة والشجب ولا شيء غير ذلك، وخطبنا الطويلة التي تنتهي دائمًا بنفس قرارات الاحتجاج غير المجدية وغير الفعالة التي لم يأخذها أحد على محمل الجد. كانت هذه سياسة العمل، لا الكلام ".

من خلال تحويل حركة الاستقلال إلى سعي لاستعادة القيم الثقافية والأخلاقية، تمكن غاندي وآخرون من إعادة تعريف المواجهة الكاملة مع البريطانيين كمسعى أكبر لإعادة اكتشاف وتطبيق حقائق أكثر عمقًا وأساسية. كانت الأفعال الظالمة وغير الأخلاقية هي الهدف، وكانت بريطانيا عرضية لهذا الواقع.

 

الثقافة والتراث كقوة انقسام

ومن المثير للدهشة أن العملية ذاتها التي بدأها السير ويليام جونز وآخرون في محاولة لإعادة اكتشاف ماضي الهند المفقود هي التي غذت أيضًا قوى الانقسام داخل حركة الإصلاح وفي وقت لاحق خلال حركة الاستقلال، ويكمن مصدر المشكلة في الطريقة التي تم بها تطبيق المبادئ الأوروبية للبحث العلمي. وكما هو مُتَّبَعٌ في علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية والجسدية، تسبب ذلك الأمر في انطلاق عملية تم من خلالها دمج مجموعة متنوعة من السمات العرقية الهندية (الخصائص الجسدية) مع الاعتبارات الاجتماعية والثقافية واللغوية والدينية لتصنيف شعوب شبه القارة الهندية، بل تطورت عملية الفرز والتصنيف إلى تسلسل هرمي يعكس أشكالًا مختلفة من التقسيم الطبقي والعلاقات المعقدة الأخرى؛ فالقبائل والطبقات الدنيا، على سبيل المثال، لم تكن محرومة اجتماعيًا فحسب، بل كان لها بعض الخصائص اللغوية أو الجسدية أو غيرها من الخصائص التي يمكن أن تصنفها على أنها مختلفة، وبالتالي تصويرهم على أنهم فئة بدائية أو متخلفة أو محرومة، اعتمادًا على ما كان يحاول المسؤولون الاستعماريون القيام به.

أعطت عملية الفرز أو التصنيف مضمونًا واقعيًا لعدد المجتمعات وحجمها وتنوعها، مما أبرز الاختلافات فيما بينها، وبالتالي ولدت إحساسًا متجددًا باختلاف الهوية داخل العديد من هذه المجموعات، كما أن الحقيقة التي مفادها أن المسؤولين الحكوميين الذين قاموا بعمل التعداد السكاني كان لديهم معرفة ضئيلة أو معدومة باللغويات وعلم الأنثروبولوجيا أو علم الاجتماع، تعني بأن التصنيفات الاجتماعية والعرقية المعروفة أصبحت أساسًا للكثير من الأمور التي تم القيام بها، بينما لم يكن الناس في الوقت نفسه على دراية بهويتهم بالمعنى الذي تسعى إليه عملية تعداد السكان - وهي حقيقة نادرًا ما يتم الاعتراف بها في ذلك الوقت أو في وقت لاحق - حيث لم يفكر العديد من الناس في هويتهم الدينية سواء كانت هوية هندوسية أو مسلمة، بل كانوا ينظرون إلى هويتهم على أنها مجتمع أصغر ضمن هذه التصنيفات الواسعة، كما أن الطبقة الاجتماعية هذه لطالما كان يساء فهمها بشكل مستمر، إذ أن جميع الديانات في الهند بما في ذلك المسلمين والمسيحيين والسيخ، لديها طبقات اجتماعية، لكن تُفهم هذه الطبقات من حيث نسب العائلة بدلاً من التصنيفات  الاجتماعية أو الوظيفية. وقد تم تقديم الطبقة الاجتماعية من خلال عمليات التعداد السكاني بشكل محدد للهندوسية، مما استغل لاحقًا للحصول على مكاسب سياسية عند مناقشة وإدخال الجائزة الطائفية.

في الهندوسية أيضًا، كانت إحدى النتائج هي تحديد وحساب وتصنيف الطبقات الاجتماعية المختلفة التي تم تجميعها بعد ذلك في ما أطلق عليه البريطانيون "طبقة المنبوذين"، والتي تشير بالطبع إلى أدنى الطبقات في الهندوسية. كان الأساس لكل هذا هو أول تعداد للهند عام 1871-1872  والذي كان إنجازًا استثنائيًا للمسعى التصنيفي والإحصائي وكان من المفترض أن يكرر، في سياق اجتماعي وجسدي، النظام التصنيفي الذي كان كارل لينيوس رائدًا فيه قبل أكثر من قرن لتصنيف النباتات بين عامي 1735-1738.

وبالمثل، شهد عام 1859 نشر داروين لكتابه الذي يحمل عنوان "أصل الأنواع" الذي كان بمثابة حجر الأساس لدراسات علم الأحياء التطورية كمحرك لتطور الأنواع. وهكذا كان الأمر مجرد مسألة وقت فقط قبل أن تتحد كل هذه العمليات معًا في فكرة واحدة: الجنس البشري متنوع بالمثل مع وجود بعض العناصر الأكثر تقدمًا فيه من غيرها، ويجب علينا تنظيم الحكومة والسياسة لتتوافق مع هذا الواقع. يجب رعاية الشعوب البدائية ودعمها في تطورها وتنميتها، مما يقتضي بالطبع القيام بمهمة حضارية والاضطلاع بمسؤولية امبراطورية.

يمكن اعتبار كل هذا جزءًا من التنوير الأوروبي؛ كان الاختلاف بالطبع أن الأنثروبولوجيا لم تكن علمًا على الإطلاق، ومع ذلك كان تأثيرها على السياسة في الهند وفي جميع أنحاء العالم هائلاً، كما كان الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والإيمان بفكرة تحسين النسل، على سبيل المثال، نتيجة مباشرة للأفكار التي تولدت من خلال الأساليب الأنثروبولوجية، وكذلك كانت الأفكار حول البدائية والأحياء التطورية، والتي بررت بدورها أجندة القوى الامبراطورية.

كما صادف أن تناسبت هذه الفكرة تمامًا مع الجهود البريطانية لمنع ظهور أي معارضة موحدة ضد الحكم أو الوجود البريطاني في الهند، كما رسخ ذلك فكرة أن الهند بطبيعتها منطقة لا يمكن حكمها دون وجود قوة خارجية قوية (مغولية أو بريطانية) وأن الهند سف تتفكك إذا ما تُركت لنفسها. بحسب هذ الرواية، كانت القوة الموحدة الوحيدة التي من شأنها أن تربط أو يمكن أن تربط مجتمع الهند متعدد الأعراق ومتعدد الثقافات معًا هي أفضل ما توفره التأثيرات التحديثية والتوجيهية للقوة الإمبريالية والأنظمة الغربية للتعليم والحكم، خاصةً وان الهند لم يكن لديها تقاليد أو نظام أصلي يمكنه القيام بذلك، وفقًا لهذا الرواية.

كانت إسهامات جيمس هيل  وويليام ماكولاي في هذه الفكرة تمثل أحد الأفكار، ولكن كانت هناك أصوات قوية بنفس القدر دعمت الرواية القومية بقيمها العالمية، ضمن هذه المناقشات، واستمرت هذه الأصوات بالتوازي لعقود. في الواقع، كانت هناك حركات قوية داخل هذه الأنظمة الإمبريالية نفسها، غالبًا ما تستند إلى أوامر دينية كانت تدعو إلى عائلة بشرية مشتركة، كما كان هناك فلاسفة من بين آخرين ممن شككوا في "علمية" هذه الأنظمة التصنيفية من حيث تطبيقها على المجتمع البشري – وهي قضية تسببت في حالة من الانقسام بين الأكاديميين حتى يومنا هذا.

على الرغم من أن السير ويليام جونز أعاد بالفعل اكتشاف العديد من جوانب التقاليد البوذية والهندوسية القديمة التي لا تزال موجودة حتى الوقت الحاضر، إلا أنه ربما قام عن غير قصد بتغذية المعسكر المعاكس من خلال الإشارة إلى أن اللغات الهندية لها جذور سلفية مشتركة تكمن في مكان ما في آسيا الوسطى أو بلاد فارس، وأن الآريين كانوا غزاة وبالتالي غرباء عن ثقافة الهند الأصلية.

وقد كشف بحثه  في الانتماءات اللغوية عن هذه الأنماط المتعلقة باللغات الهندية الأوروبية، وأصبح هذا تفكيرًا أرثوذكسيًا داخل مجتمع علماء اللغة. علاوة على ذلك، يبدو أن الأبحاث والدراسات التي أجراها علماء في ألمانيا وفرنسا وأماكن أخرى تؤكد أن اللغات الهندية الأوروبية لها أصول في منطقة آسيا الوسطى. ما يعنيه هذا بالطبع بالنسبة للهند هو أن الآريين كانوا غرباء وغزاة وأنهم ثبتوا أنفسهم في مناصب اجتماعية متفوقة من خلال أداة البراهمية. وبالتالي، لم يكن المجتمع الهندي هيكلًا موحدًا ذا تراث مشترك، ولكنه كان نظامًا متعدد الطبقات من الغزاة والشعوب الأصلية. لذلك كان دمج كل هذه العناصر في تراث مشترك أمرًا خاطئًا.

كان نهج غاندي في الأساس هو التنصل من الطريقة التي تم بها هيكلة الأنساب الثقافية للهند خلال الفترة الإمبراطورية، وسعى غاندي وآخرون مستندًا إلى ما فعلته الجمعية الآسيوية في الفترة حتى عام 1818 أو نحو ذلك، إلى إعادة دمج تاريخ الهند وتطورها الثقافي كعملية تكاملية ومستمرة يرتبط بها كل مجتمع وتقاليد في الهند ارتباطًا وثيقًا.

ومع ذلك، تعمقت الانقسامات من عام 1818 فصاعدًا عندما عكس جيمس ميل  وآخرون الرواية التي وضعها ويليام جونز وآخرون وقسموا دراسة الهند إلى فترات تمثل الحكم الهندوسي والمسلم والبريطاني. ثم أصبحت هذه المراحل متميزة، ولكل منها منطقها وسماتها وخصائصها. وبمرور الوقت، أصبح هذا هو المنظور الذي ينظر من خلاله المسؤولون البريطانيون إلى الهند وأصبح الأساس الذي افترضوا من خلاله وجود اختلافات وفروقات لا يمكن التوفيق بينها بين المجتمعات.

إلا أنه على الرغم من ذلك، ومن منظور قومي، جاء التهديد الأكبر من نظام يشار إليه باسم الجوائز الطائفية؛ حيث قدمت الحكومة البريطانية من عام 1909 حتى عام 1932، ووسعت نظامًا لضمان تمثيل كل مجتمع من المجتمعات بأعداد متناسبة تقريبًا في مختلف الجمعيات التي أُنشئت من وقت لآخر.

وتشكلت مجتمعات الأقليات الرئيسية في الهند - المسلمون والسيخ والمسيحيون والأنجلو-الهنود والأوروبيون - في صورة دوائر انتخابية منفصلة صوتت لصالح ممثليها، وتوسع هذا النشاط بعد ذلك بعد عام 1932 ليشمل ما يطلق عليه "طبقة المنبوذون"، وهو ما كان بالنسبة إلى البريطانيين ضامنًا لأن يتم تمثيل الجميع بلا استثناء بصورة متوازنة في الحكومة، لكن هذا قسَّم هذا الهند إلى مجموعات مجتمعية متنافسة ذات مصالح متنافسة، وبالتالي أدى إلى تفاقم حالة الانقسام الطائفي، بحسب وجهة نظر القوميين.

بينما كان حزب المؤتمر (الكونجرس) يمثل الحركة القومية التي كانت ذات أغلبية هندوسية، كانت الأحزاب المجتمعية تمثل بقية المجموعات العرقية الأخرى، ومن خلال طرح فكرة الجائزة الطائفية، رفض البريطانيون فكرة وجود تراث هندي موحد كما ساعدوا في الترويج لفكرة وجود خيارات أخرى يمكن أن تحقق فكرة الهند الموحدة والمستقلة، وكانت هاتان رؤيتان متعارضتان للغاية حول الهند.

أدرك كلًا من غاندي والحركة الوطنية على الفور أن البيانات التي قدمها التعداد السكاني جنبًا إلى جنب مع الجائزة الطائفية قد أسهما في زيادة حدة التشرذم المجتمعي، ولكن لحسن حظهم ظلت معظم المجتمعات - حتى المسلمين - ملتزمة بالرؤية القومية التي وضعها غاندي؛ حيث كانت مساهمة غاندي الحقيقية - من وجهة نظره - تتمثل في خلق شعور مشترك داخل كل مجتمع من هذه المجتمعات ضد التيار البريطاني وعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا.

كما حصل غاندي على قدر كبير من الدعم على المستوى العالمي، سواء داخل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، أو داخل بعض الأحزاب السياسية على وجه الخصوص، كما كان للأساليب التي اتبعها غاندي في إثارة التعاطف والدعم لأفكاره حول اللاعنف والتسامح الديني والتكيف الثقافي ذات قدر كبير من الفعالية في حقبةٍ زمنيةٍ (سنوات ما بين الحربين) كان فيها الأوروبيون والأمريكيون أنفسهم يكتشفون اهتمامًا متجددًا بالفلسفات القديمة ، ويعيدون اكتشاف ثراء تقاليدهم الثقافية ويربطونها بالفلسفات الدينية والسياسية القديمة، وكانوا في بعض الحالات أيضًا يتساءلون عن أهمية الرفاه المادي ويؤكدون على الروحانية والفلسفية. ومع الأخذ في الاعتبار أن الإمبريالية والرأسمالية والفاشية والشيوعية كانت النماذج المتنافسة في ذلك الوقت، إلا أن إحياء الاعتبارات الروحية وغير المادية كان له صدى في تفكيرهم.

وتظهر المراسلات التي كانت بين غاندي وتولستوي على سبيل المثال مدى انتشار أفكاره وقدر التعاطف الذي أثارته، والعكس صحيح، كما ينطبق الشيء نفسه على نهرو، عندما نُشر كتابه "اكتشافي للهند" عند إطلاق سراحه من السجن في عام 1946، وتعكس هذه الرسالة من ألبرت أينشتاين تفكيره:

برينستون، نيو جيرسي

 18 فبراير 1950

عزيزي السيد نهرو،

لقد قرأت باهتمام شديد كتابك الرائع الذي يحمل عنوان "اكتشاف الهند"، حيث إنه ليس من السهل بالنسبة للرجل الغربي أن يقرأ النصف الأول من هذا الكتاب، لكن الكتاب مع ذلك يطرح فهمًا للتقاليد الفكرية والروحية المجيدة لبلدك العظيم. إن التحليل الذي قدمتموه في الجزء الثاني من الكتاب حول التأثير المأساوي والتدهور الاقتصادي والأخلاقي والفكري القسري من قبل الحكم البريطاني، والاستغلال الوحشي للشعب الهندي قد أثار إعجابي بشدة. أصبح إعجابي بما يفعله غاندي وبما تفعله أنت من أجل التحرير من خلال نهج اللاعنف واللاتعاون أكبر مما كان عليه من قبل. قد يكون الصراع الداخلي للحفاظ على الفهم الموضوعي حتى على الرغم من كافة الضغوط التي يفرضها الطغيان من الخارج، وعلى الرغم من الصراع ضد أن تصبح داخليًا ضحية للاستياء والكراهية شيئًا فريدًا في تاريخ العالم. أشعر بالامتنان العميق لك لأنك قدمت لي نتاج عملك الرائع.

مع أطيب تمنياتي لجهودكم الهامة والنافعة ومع خالص تحياتي.

صديقكم المخلص

ألبرت أينشتاين

 

كانت أكبر مخاوف غاندي - بخلاف التخلص من البريطانيين والحفاظ على وحدة الهند - هي عدم المساواة الطبقية والتمييز، والتعصب الديني، والفقر الريفي، ورأى أن معالجة هذه المشاكل بشكل متماسك وفي إطار التقاليد الاجتماعية والثقافية المعروفة هو مفتاح تحقيق السلام والازدهار والتنمية. وبهذا المعنى، رأى أن عملية الاستقلال برمتها هي شكل فريد من أشكال الإصلاح الشخصي والاجتماعي والديني والثقافي، والذي يمكن أن يؤثر بدوره على علاقات الدولة الدولية.

خلال معظم الفترة نفسها التي نشط فيها غاندي، تطورت حركة سياسية موازية ضمن المجتمع الإسلامي من أجل الوصول إلى تحقيق الحكم الذاتي والاستقلال (لاحقًا)، وقد شككت هذه الحركة في جوهرها في كيفية أن إحياء التعاليم البوذية والهندوسية من الممكن أن يتبنى حقيقة أن المسلمين كانوا أقلية ضخمة تتمتع بسلطة سياسية كبيرة على مدى عدة قرون، وأن حقوقهم لن تكون آمنة في هذا السياق الإحيائي، كما قيل إن الهياكل الديمقراطية يمكن أن تلغي وضعهم وتتركهم عرضة لتحيزات الأغلبية.

كانت مشكلة جانبي هذا النقاش بطبيعة الحال تتمثل في كيفية فصل هذه الهياكل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الهياكل المندمجة معًا والتي كانت جزءًا لا يتجزأ من نسيج الهند وانتشرت عبر جغرافيا الهند  بأكملها. كان دعوة غاندي للتسامح والإصلاح والتجديد الاقتصادي والتعايش السلمي تهدف إلى تهدئة هذه المخاوف، وتتحدث الكثير من كتاباته في تلك الفترة عن كيف أن جوهر جميع الأديان في الهند كان هو نفسه، وأن البناء على هذه القيم المشتركة من شأنه أن يعود بالفائدة على الجميع، ولكن من الواضح أن هذا لم يكن كافياً.

في الوقت نفسه، وبمجرد أن أصبحت الحركات الجماهيرية شكلاً مقبولاً من أشكال النشاط السياسي، أصبحت إمكانية حدوث المواجهة وإراقة الدماء مسألة مقبولة أيضاً، وفي حين أن مبادئ التسامح واللاعنف قد تم تبنيها وقبولها بشكل متزايد من جانب جميع فروع الحركة الوطنية، إلا أن الواقع كان مختلفًا إلى حدٍّ ما حيث انتشرت أعمال العنف بشكل متكرر وغالبًا ما كانت تتخذ طابعًا طائفيًا أو عرقيًا، كما لم تتمتع الجهود المبذولة لتهدئة الأمور بقدر كبير من المصداقية، خاصة داخل المجتمع المسلم الذي كثيراً ما كان يشكك في إمكانية أن يتحقق هناك أي قدر من الأمن لطوائف الأقليات ضمن نظام تسيطر عليه الأغلبية.

أما داخل حزب المؤتمر (الكونجرس) نفسه، كانت هناك العديد من الآراء التي تساءلت عما إذا كان نهج اللاعنف عند التعامل مع النظام القمعي سيكتب له النجاح على الإطلاق؛ ففي أوائل القرن العشرين، وقعت سلسلة من الهجمات الإرهابية ضد كبار المسؤولين البريطانيين، لكن تلك الهجمات كانت مرتبطة بشكل أساسي بمظالم محددة أو ردًا على أعمال القمع، واستمر الحال على هذا أيضًا خلال الفترة التي سبقت الاستقلال وكانت تُبَرَّرُ بشكل متزايد على أساس أن الهدف من وراء هذه الهجمات كان دعم قضية الاستقلال الوطني، كما جذبت أعمال العنف هذه الدعم والتعاطف على نطاق واسع.

لكن الانقسام الحقيقي في النهج الذي دعا إليه غاندي وآخرون حدث بعد إشراك الهند في الحرب ضد اليابان وألمانيا دون أي تشاور مع القادة الوطنيين، وهو ما أدى إلى القرار الذي صدر عن حزب المؤتمر في عام 1942 والذي دعا البريطانيين إلى "ترك الهند"، والذي سرعان ما أعقبه حملات اعتقال واحتجاز ضد معظم القيادات القومية. أما بقية الأحزاب الأخرى فقد اختلف معظمها مع هذا النهج، بل أنهم فكروا في تأجيل مواجهة الحكم البريطاني إلى ما بعد الحرب على أمل الحصول على صفقة شروط أفضل، وهنا أصبح السعي نحو تحقيق الاستقلال يتفتت على أسس طائفية.

بالتوازي مع ذلك، بدأ فصيل من حزب المؤتمر بقيادة سوبهاش تشاندرا بوس بإجراء مفاوضات مع اليابانيين والألمان بغرض إنشاء جيش لتحرير الهند، وقد تشكل هذا الجيش الوطني الهندي (INA) بشكل أساسي من أسرى الحرب الهنود الذين أسرهم اليابانيون في سنغافورة وأسرى الحرب الهنود أيضًا ممن أسرهم الألمان في شمال إفريقيا، واستُخدم هذا الجيش بشكل أساسي في تنفيذ العديد من الهجمات على الولايات الشمالية الشرقية للهند، وحظيت المواجهة المسلحة بين الجيوش البريطانية والهندية بدعم شعبي واسع النطاق وعكست مدى هشاشة الإجماع على حركة اللاعنف، كما كان ذلك مثالًا آخر على أن إصرار غاندي على استخدام الوسائل العادلة لتحقيق غايات عادلة كان انقسامًا في الرأي، وشعر الكثيرون أن أي وسيلة يمكنهم استخدامها لها القدرة على أن تبرر إزاحة البريطانيين، واستمرت هذه الحجة حتى حصلت الهند على الاستقلال بالفعل.

بعد أن انتهت الحرب، نصب البريطانيون المحاكمات لمحاكمة قيادات الجيش الوطني الهندي (INA) بتهمة الخيانة، وتقدم نهرو وآخرون ممن كانوا جزءًا من الحركة الوطنية للدفاع عن المتهمين، في محاولة متجددة لتوحيد صفوف الحركة الوطنية مرة أخرى، أما سوبهاش تشاندرا بوس فقد توفي في الأيام الأخيرة من الحرب، واندمج بعد ذلك الجيش الوطني الهندي ضمن حزب المؤتمر كحركة سياسية.

في حين تقلبت هذه السجالات على مدى العقود التي سبقت الاستقلال، كان للتطورات التي وقعت داخل الإمبراطورية العثمانية وتفكيك ممتلكاتها الإمبراطورية أيضًا تأثير كبير على السياسة الوطنية ومشاعر مسلمي الهند، والتي تفاقمت نتيجة لخضوع بلاد فارس للسيطرة والنفوذ البريطانيين. ولطالما كانت التأثيرات التركية والفارسية قوية داخل الهند، لا سيما في إطار الممالك المسلمة المختلفة التي شكلت جزءًا من نسيج الهند البريطانية وما قبل البريطانية، وقد أثار معاملتها على أيدي البريطانيين (والحلفاء) بعد الحرب العالمية الأولى مخاوف بشأن مستقبلها؛ حيث توقع العديد من الأمراء المسلمين الخيانة البريطانية وكانوا يحاولون التفكير في المستقبل، كما كان للتخلي عن مسلمي الهند لصالح الأغلبيات الهندوسية يتردد صداه كثيرًا مع هذه المخاوف.

في حين أن غاندي وآخرين ربما كانوا يسلطون مزيدًا من الضوء على الطبيعة التوفيقية للثقافة الهندية، كان من الواضح أن هذا لم يكن كافياً للكثيرين ضمن المجتمع المسلم أو المجتمعات الأخرى، خاصة عندما كشفت حوادث الصراع الطائفي عن عمق المشاعر العدائية. في الوقت نفسه، ظل الجزء الأكبر من الرأي العام المسلم مخلصًا لحزب المؤتمر بقيادة غاندي ونهرو، ورؤيتهم لمستقبل الهند، ولكن هذا الإخلاص كان يتراجع بشكل مطرد خلال أواخر الثلاثينيات وحتى السنوات التي اندلعت فيها الحرب في الأربعينيات.

في حين دافعت الرابطة الإسلامية في البداية عن فكرة تشكيل دائرة انتخابية منفصلة، وهو ما حصلت عليه بشكل تدريجي بين عامي 1909 و 1932 ، إلا أن أجندتهم كانت تتسم في الغالب بأنها ذات طابع سياسي واجتماعي، وأنها صيغت في إطار مخاوفهم بشأن الحفاظ على الهوية الإسلامية في نظام يهيمن عليه الهندوس، وكانت مسألتي التعليم والهوية في هذا السياق بالنسبة لهم من الأمور الرئيسية التي كانت محورًا لتفكيرهم، ولكن من الناحية الموضوعية، كانت الأفكار المتعلقة بالتنمية الاقتصادية ومبادئ الحكم ضحلة نسبيًا واعتمدت بشكل كبير على النموذج الاقتصادي والسياسي لتركيا بعد وصول أتاتورك إلى السلطة.

على الرغم من اختلاف السياق والوضع بشكل كبير، إلا أن هذا كان بمثابة نقطة مرجعية مهمة للعديد من المناقشات داخل الرابطة الإسلامية حول أنه كيف يمكن لباكستان أن تسير على خطى التحديث وأن يكون لها موضع قدم على الساحة العالمية. وبعيدًا عن هذا الأفق الضيق، لم يكن لدى قيادة الرابطة أي خطط أو وجهات نظر تتوافق مع خطة بومباي التي قدمها حزب المؤتمر، ولم يكن لديهم ما يعادل غاندي الذي يتمتع بالقدرة على التعبير عن مخاوف المسلمين الأشد فقرًا، كما لم يتم إيلاء الاهتمام بالقضاء على الانتهاكات الاجتماعية والدينية التي تندرج تحت الإسلام، أو بقضايا مثل الإصلاحات الزراعية أو إلغاء الامتيازات الإقطاعية والملكية.

كما لعبت الولايات الأميرية الهندية البالغ عددها 522 ولاية - بعضها هندوسي وبعضها مسلم، ولكن معظمها به تجمعات سكانية مختلطة - دورًا في هذه المناقشات؛ فمن وجهة نظر حزب المؤتمر حول الصورة التي يجب أن تبدو عليها الهند بعد الاستقلال، كانت الأنظمة الديمقراطية هي من ستحل محل الامتيازات الأرستقراطية والإقطاعية، وبالتالي سوف يختفي الأمراء وتختفي معهم امتيازاتهم العديدة التي كانوا يتمتعون بها. في حين بدا هذا بيانًا سياسيًا واجتماعيًا قويًا، إلا أنه من الواضح أنه كان يشغل بال العديد من الأمراء الذين توقعوا خسارة كاملة للسلطة والمكانة والدخل، ولطالما جادل بعضهم بأنه عندما يغادر البريطانيون الهند، يجب في هذه الحالة أن تعود السلطة إليهم وليس إلى حكومة منتخبة، ولكن بريطانيا لم تستطع تأييد هذا الرأي بكل إخلاص لأنه كان غير ليبرالي ومناهضٍ للديمقراطية بشكل عميق، لكنهم غالبًا ما اقترحوا وضعًا محسنًا في إطار الهند المستقلة.

في الوقت نفسه، اتسم بعض هؤلاء الأمراء (راجا، مهراجا، نظام، وما إلى ذلك) بأنهم تقدميين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي واتخذوا العديد من الإجراءات لتحفيز النشاط الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي والتصنيع والتنمية الريفية، وفي الواقع، تم تطبيق بعض هذه الأفكار الرائدة في هذه الولايات بعد الاستقلال على نطاق أوسع، لا سيما فيما يتعلق بتعليم المرأة  والاقتصاد الريفي.

 

الثقافة والتراث: في الإجمال

يجمع تاريخ حركة الهند نحو الاستقلال بالتالي بين العديد من الاتجاهات، كان أبرزها السعي إلى تخليص البلاد من الحكم الاستعماري، ولكن من الضروري لإعطاء هذه الحركة شكلاً وصورة أن تندمج مع شعور ملموس بما يمكن أن يحل محل "السلام الإمبراطوري"، وكان على هذه الأفكار بدورها أن ترتبط بما يعتقده الشريحة الأوسع نطاقًا من السكان حول هوياتهم وتراثهم الخاص. بعبارات عامة، يشير هذا إلى الأسس الثقافية لجميع المجتمعات البشرية.

في حالة الهند، كان لا بد من تحديد الخيوط المختلفة للرواية الوطنية للهند ودمجها معًا لتقديم رواية متماسكة ومعقولة لما يعنيه أن تكون جزءًا من هذه الحضارة وكيف كان كل مجتمع مرتبطًا بالكل. في الوقت نفسه، كان لا بد من الكشف عن العديد من هذه الخيوط واكتشافها، لأنها ضاعت بمرور الوقت أو صُنفت ضمن النظام التصنيفي للبريطانيين. من خلال تطبيق مبادئ البحث العلمي على قضايا العرق والثقافة والطائفة والانتماء العرقي، ساعد البريطانيون في ترسيخ الشعور بالاختلافات المتميزة والتي لا يمكن التوفيق بينها عبر العديد من مجتمعات الهند.

في المقابل وفي الوقت المناسب، ومع استخدام تمثيلات انتخابية متميزة للأقليات، أدى هذا فعلًا إلى ظهور حركات طالبت بالحماية من شعبوية الأغلبية. في الوقت نفسه، اتخذ القادة القوميون موقفًا معاكسًا، وبالإشارة على وجه التحديد إلى مخاوف المسلمين بشأن مكانتهم في ثقافة مركبة، أبرزوا أن حكم المسلمين ثم المغول لجزء كبير من شبه القارة، قد خلق مزيجًا غنيًا من تقاليدها وممارساتها الخاصة، والتي ارتبط الكثير منها بالتقاليد الاجتماعية والثقافية الهندية القائمة. وفي حين أن هذه العملية جلبت معها أيضًا تقاليد وممارسات من آسيا الوسطى وبلاد فارس، إلا أن هذه التقاليد مرت بتحول عند التفاعل مع واقع الهند.

ونتيجة لذلك، جادل البعض بأن طبيعة الإسلام وتقاليده كما تمارس في الهند كانت هندية بشكل واضح وجزءًا من التراث المشترك للمنطقة بأكملها، وأنها ليست منفصلة ومتميزة فحسب كما روج لذلك البعض، ولكنها جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع والتقاليد الهندية. كانت نفس الازدواجية في الحجج والنهج موجودة داخل المجتمعات الأخرى التي تفضلها الجائزة الطائفية التي صنعتها بريطانيا، بما في ذلك مجتمعات السيخ والمسيحيون والأنجلو- هنود والأوروبيون، وأخيراً طبقة المنبوذين. لذلك تعددت التوقعات بين البعض ممن توقعوا التفتت الكامل لشبه القارة على أسس عرقية ولغوية ودينية وطائفية من جهة، وآخرين ممن دافعوا عن تراث موحد ومشترك من جهة أخرى.

في الواقع، في حين كانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية للبلاط المغولي، إلا أن اللغة الأردية تم تطويرها لاستخدامها في البداية في الجيش على أساس مزيج من الهياكل السنسكريتية والمفردات الفارسية، ثم تطورت إلى مستوى عالٍ لدرجة أنها أصبحت بمرور الوقت اللغة الأدبية للبلاط المغولي وبالنسبة إلى الكثير من أفراد الطبقة الراقية في المجتمع الهندي. وفي إطار هذا التقليد الغني، رسَّخ الشاعر الشهير السير محمد إقبال (1877-1938) وعيًا متميزًا لدى المسلمين في الهند تَضمَّنَ أيضًا أفكارًا لنهضة دينية أوسع، كما كان الشاعر إقبال، على غرار طاغور وآخرين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، جزءًا من النهضة الهندية والإحياء الروحي، أما الحديث عن كيفية استخدام هذه الأفكار، فكان مسألة مختلفة.

 

السلام الداخلي والدولي

في حين أن النقاش حول استقلال الهند تضمن أفكارًا حول أفضل السبل للحفاظ على السلام الداخلي، فإن البعد الدولي لتأثير استقلال الهند على السلام الدولي لم يتطور حقًا إلا بعد عام 1918.

في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة، توقع القادة الهنود وضع الحكم الذاتي، وبالتالي أن يكونوا قادرين على تحديد دور لهم في العالم الأوسع ، ولكن عندما أصبح من الواضح أن هذا لن يحدث، بدأ القادة الوطنيون الهنود يفكرون في خلق الدعم الدولي للتوجه نحو الحكم الذاتي والاستقلال، كما أدى ذلك إلى تعميق فهمهم للشؤون الدولية، وأدوار المؤسسات الدولية، والآثار المترتبة على مختلف أحكام معاهدة فرساي (1919) ومعاهدة سيفر (1920)، التي فككت معًا الإمبراطوريات الألمانية، والنمساوية-المجرية، والعثمانية، ونقلت ممتلكاتهم إلى الحلفاء البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين وغيرهم.

إعادة الترتيب الهائلة للشؤون العالمية هذه تمثل إعادة تأكيد على القوة الإمبريالية وإنكارًا لحق تقرير المصير، ومثلت عكس ما أرادته أو توقعته الحركات المناهضة للاستعمار. وفي السياق السياسي الداخلي الهندي، كان أهم كل هذه التطورات، كما ذكر أعلاه، هو تفكيك الإمبراطورية العثمانية؛ نظرًا لأن الكثير من الحركة الوطنية في الهند اعتمدت على دعم السكان المسلمين في الهند، فقد كانت مشاعرهم مهمة للغاية. في الوقت نفسه، قدمت الثورة في روسيا وظهور الاتحاد السوفيتي بديلاً آخر لمن يحاولون تحديد دور للهند في عالم يكتنفه حالة من عدم اليقين. رفضت القيادة الوطنية الهندية النموذج الإمبراطوري، ولكن لم يكن لديها سوى القليل لتتصل به خارج النموذج السوفيتي. وعلى أي حال، لم يمثل أي من النموذجين نظامًا عالميًا قابلاً للتطبيق.

في ظل هذه الأحداث، تأسست عصبة الأمم في عام 1920 للمساعدة في الحفاظ على الوضع الراهن بعد الحرب كما تقرر من خلال معاهدتي فرساي وسيفر، وحل الخلافات من خلال التحكيم، كانت الهند الدولة الوحيدة من بين 31 عضواً التي لم تكن تتمتع بالحكم الذاتي، وهذا أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى رفض التصديق على الانضمام إلى عصبة الأمم.

لم تنضم الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم على الإطلاق، مما أضر بشدة بفعالية الأخيرة، لا سيما أنه اعتبارًا من عام 1922 فصاعدًا، أصبحت الولايات المتحدة هي القوة البحرية المهيمنة في العالم، مع وضع البريطانيين والفرنسيين واليابانيين والإيطاليين في وضع تبعي واضح، كما أدت التطورات اللاحقة إلى خروج اليابان من عصبة الأمم في عام 1932، وإيطاليا في عام 1935.

نتيجة لذلك، لم يعد لهذه العصبة دور أو مصداقية، وهو ما ظهر جليًّا خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت خلال الفترة ما بين 1936 و 1939، والتي شهدت مواجهة مباشرة بين القوى الفاشية والشيوعية، كما انقسم العالم بشكل متزايد بين هاتين القوتين، دون أن يعطي الاهتمام الكافي أو بلا اهتمام على الإطلاق لمخاوف ما بعد الاستعمار، كما لم يعجب أي من النموذجين القادة الوطنيين الهنود سواء فيما يتعلق بأولوياتهم المحلية أو تفضيلاتهم الدولية. إذا كان هناك أي شيء يمكن الحديث عنه، فقد كانت الهند أكثر انحيازًا بشكل طبيعي إلى وجهات النظر الأمريكية والغربية، لكن أيديها كانت أيضًا ملطخة بالإمبريالية والامتيازات الاستعمارية. أي أفكار تتعلق بالعلاقات بين الدول على أساس المبادئ البوذية للتعايش السلمي لا معنى لها في هذا السياق.

في الوقت نفسه، بدأ صدى هذه الأفكار نفسها يتردد في عدد من البلدان، لاسيما في الولايات المتحدة، وإلى حد ما داخل المملكة المتحدة نفسها. لقد فاجأت موجة الدعم المتصاعدة لاستقلال الهند من داخل الولايات المتحدة، بدعم واسع من أعضاء الكونغرس والأكاديميين والصحفيين والجماعات الكنسية، القادة الوطنيين في الهند؛ حيث إن استخدام غاندي المؤكد للوسائل السلمية وغير العنيفة لتحقيق ما اعتبره مجرد غايات عادلة ارتبط بالعديد من تقاليدهم الإنسانية والفلسفية والدينية.

تسبب القرار الذي اتخذه غاندي وحزب المؤتمر (الكونجرس) في شهر أغسطس من عام 1942 بإطلاق حركة "اخرجوا من الهند" في صدمة العديد من أصدقاء الهند، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث طالب القرار برحيل البريطانيين من الهند ومغادرتهم دون مفاوضات ودون شروط مسبقة، على أن يتركوا للهند حل مشاكلها الخاصة. لكن يمكن فهم الفكرة بشكل أفضل في سياق الوقت. تم جر الهند إلى حرب عالمية دون تشاور؛ ولم يكن هناك ما يضمن حصول الهند على الاستقلال في نهاية تلك الحرب؛ كانت كل من روسيا والصين تعانيان من هجمات من جانب الأنظمة الفاشية وكانتا منشغلتين تمامًا بالدفاع عن أوطانهما، ولم يكن هناك نظام عالمي أو تحالف يمكن للهند الانضمام إليه لكي يلبي احتياجاتها. ومن هنا جاءت دعوة غاندي للبريطانيين للانسحاب من الهند. كان المعنى الضمني هو أن الهند الديمقراطية ستعرف ما الخيارات التي يمكنها اتخاذها سعياً وراء حلول غير عنيفة في عالم غير مستقر للغاية.

مع استمرار الحرب ومع هيمنة الولايات المتحدة على صياغة أجندة ما بعد الحرب، بدا من المؤكد بشكل متزايد أن حقبة سريعة من القضاء على أشكال الاستعمار ستعقب ذلك، وأن استقلال الهند سوف يأتي في الوقت المناسب. مرة أخرى، لم يكن هذا شيئًا فكرت فيه القيادة الوطنية الهندية، حيث ركزت جهودها على جعل البريطانيين يغادرون من خلال ممارسة المزيد من الضغوط المحلية. وعلى الرغم من هزيمة اليابانيين (ومعهم الجيش الوطني الهندي)، استمرت احتمالات الاضطرابات الداخلية الحادة في إثارة قلق البريطانيين، كما أكد التمرد الذي اندلع عام 1946 داخل البحرية الهندية في بومباي وكراتشي  أن قبضتهم على ولاء التشكيلات العسكرية كانت مؤقتة في أحسن الأحوال.

في ضوء هذه الأحداث سريعة الحركة، جرت مفاوضات لإنشاء منظمات الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في أواخر عام 1945، حيث تطابقت الديباجة الناتجة وميثاق الأمم المتحدة مع كل ما دافع عنه حزب المؤتمر وغاندي من حيث المبادئ المتعلقة بالتعايش السلمي والسيادة والمساواة بين الأمم. علاوة على ذلك، أوضحت الولايات المتحدة لجميع القوى الاستعمارية أنه يتعين عليها القضاء على أشكال الاستعمار في أعقاب الحرب.

لقد اعتبرت الوصايا المتعلقة بالتسامح والاحترام المتبادل وعدم التدخل، والتي انبثقت بشكل طبيعي من المبادئ البوذية القديمة، متوافقة تمامًا مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة، وشكلت بدورها أساس حركة عدم الانحياز (NAM). كانت هذه المبادئ – التي حددتها الصين بالتفصيل في البداية كأساس للتعايش السلمي – تُعرف باسم بانتششيلا أو المبادئ الخمسة – وأدرجت في المعاهدة التي جرى توقيعها بين الصين والهند في عام 1954، ثم تبنى مؤسسو حركة عدم الانحياز هذه المبادئ التأسيسية في عامي 1955 و 1961، واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1957. كان لحركة عدم الانحياز غرض آخر يتمثل في تمكين البلدان من الابتعاد عن التنافس في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والتي بدا أنها تهدد السلام العالمي باستمرار.

وهكذا تضمن إطار السلام في الهند سمات داخلية مثل التسامح والعلمانية والحقوق العالمية، وسمات أخرى عالمية كما هو موضح أعلاه، وسعى النظام الدستوري الداخلي للهند، الذي صُمم بعد فترة وجيزة من حصولها على الاستقلال، إلى استخدام الإطار الموحد للتاريخ والثقافة المشتركة على وجه التحديد كمنصة للإصلاح الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، كما كان تصميم الدستور يضع في صميمه نظام اجتماعي متناغم وسلمي مع مفاهيم متأصلة حول ما يعني أن تكون وارثًا لهذا التراث النبيل والموحد.

إلى جانب تفصيل الحقوق الإنسانية والاجتماعية والسياسية والمدنية، تضمن الدستور قسمًا يحدد أجندة إصلاح دائمة تغطي جميع التفاوتات والانتهاكات وجميع تدابير الإصلاح التي تم تحديدها في السنوات التي سبقت الاستقلال، يُعرف هذا القسم باسم الباب الرابع من الدستور ويحمل عنوان: المبادئ التوجيهية لسياسة الدولة.

على الرغم من أنه لا يخضع لإجراءات التقاضي (وبالتالي يعتبر قابلًا للتنفيذ)، إلا أن هذا الدستور من المفترض أن يوجه سياسة الدولة وغالبًا ما يعتبر ضروريًا لتحقيق السلام الاجتماعي على المدى الطويل، وعلى الرغم من أنه يغطي القضايا العامة التي تتعلق بالتمكين الاجتماعي والاقتصادي، إلا أنه يحدد أيضًا أوجه التفاوت وعدم المساواة عبر المجتمعات المختلفة ويدعو إلى قانون مدني مشترك، مما قد يؤثر على معاملات مثل الميراث والزواج والممارسات المجتمعية الأخرى، كما سيؤدي إذا تم تنفيذه بالكامل، إلى تحقيق المساواة وتفعيل كل من الحقوق والفرص، وبالتالي معالجة المخاوف المتعلقة بالتفاوتات الطبقية، وحقوق المرأة، والفرص الاقتصادية والاجتماعية الريفية، ومستويات الوصول إلى خدمات الصحة والتعليم، وحقوق ذوي الإعاقة. في السياق الغربي، تعتبر هذه السمات في المشهد السياسي أمرًا مفروغًا منه بشكل عام، ولكن في الهند، ينطوي كل منها على التزامات كبيرة في الميزانية وتغييرات كبيرة في التشريعات القانونية.

ومع ذلك، فإن النقطة المهمة في هذا المقال هي أن القادة الوطنيين فهموا وأقروا بأن السلام المحلي يعتمد على الإصلاح الاجتماعي والديني والقضاء على أوجه عدم المساواة والانتهاكات (مثل عمالة الأطفال)، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الموارد اللازمة لتنفيذ هذه الأفكار لذلك جعلوها جزءًا من الالتزامات الدستورية التي فرضت على الحكومات المتعاقبة.

 

أفكار للتنمية الاقتصادية

اعتمدت الأفكار الاقتصادية للنهضة الريفية والتجديد الاقتصادي في البداية بشكل كبير على أفكار القادة الوطنيين، ممن تلقوا تعليمهم في كثير من الأحيان في الخارج، وممن نظروا إلى النماذج الاقتصادية البديلة وفهموها من حيث النظم السياسية الليبرالية. كان غاندي مختلفًا قليلاً؛ حيث وضع مسألة إنعاش الاقتصاد الريفي في صميم عملية التجديد الاقتصادي بعد الاستقلال، كما شارك أفكارًا واسعة حول عكس تأثير الحكم الاستعماري البريطاني والهياكل والأنظمة الاقتصادية التي أنشأها في ملكية الأراضي وإدارتها، والعودة إلى المنتجات والصناعات المحلية (سواديشي).

كان هذا التحليل مهمًا؛ ففي حين أن الأنظمة السياسية الليبرالية عادة ما تتبنى مبادئ السوق الحرة، أدرك القادة الوطنيون الهنود أن هياكل السوق كما هي موجودة لن تحقق التنمية العادلة على الإطلاق، حيث تضمنت هذه الهياكل سمات من شأنها تؤدي إلى استمرار التفاوتات، كما أنها لن تدعم التجديد الريفي أو الاكتفاء الذاتي أو التخفيف من حدة الفقر، وبالتالي تم إعطاء الأولوية أولاً لتصحيح أوجه القصور في كيفية عمل هذه الأسواق قبل العودة للاستفادة الكاملة من هياكل السوق الحرة.

كانت هذه محاولة مباشرة لعكس سياسات تراجع التصنيع التي أدخلها البريطانيون، والتي تم بموجبها تنفيذ مرحلة القيمة المضافة للتصنيع في بريطانيا، مما يعني بالطبع أن البريطانيين لهم أن يحتفظوا بالوظائف والأرباح. علاوة على ذلك، فإن الاعتماد الواسع النطاق على الشاي والسكر والتبغ والنيلي والقطن والأفيون والبن وغيرها من المزارع لم يهيمن على الاقتصاد الريفي فحسب، بل ساهم أيضًا في إثراء مالكي هذه المزارع، وكثير منهم كانوا بريطانيين. بينما عاش عمال المزارع والمزارعون، سواء من يسكنون في هذه العقارات أو من يعملون في مجال الزراعة، عند مستويات الكفاف، ولم يكن من المستغرب أنه عند الاستقلال في عام 1947 كان متوسط العمر المتوقع لشبه القارة ككل 29 عامًا فقط.

كما لم يكن من المستغرب أن المجاعة كانت حدثًا متكرر الحدوث أثناء الحكم البريطاني، حيث كانت مجاعة البنغال في عام 1943، ومجاعة مدراس عام 1946، واللتان يُعتقد أنهما أودتا معًا بحياة أكثر من 4 ملايين شخص، رمزًا لكيفية اعتبار النماذج الاقتصادية البريطانية غير فعالة اجتماعيًا واقتصاديًا، وغير مؤثرة ومدمرة.

من وجهة نظر غاندي، كل ما كان مطلوبًا - الطعام والملابس والضروريات اليومية - كان من المفترض أن يتم إنتاجه في الهند، ولكن الأهم من ذلك أن يتم إنتاجه في الريف، وقد أطلق غاندي على هذه العملية اسمًا - سواديشي - وأعطاها رمزًا عبارة عن الشاكرا أو العجلة الدوارة. وهذا من شأنه أن يؤدي، في رأيه، إلى إحياء النشاط الاقتصادي الريفي بشرط أن يرافق هذه العملية إصلاح اجتماعي شامل. على سبيل المثال، يجب دمج الأقليات الدينية والمجتمعات المهمشة والطبقات الدنيا والنساء بشكل كامل في هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي المتجدد.

كان الأساس الفلسفي لذلك هو الاحترام المتبادل والتسامح واللاعنف، مع القضاء على الاختلافات الدينية والانتهاكات الطائفية، أما من حيث ما يعنيه التعامل مع البريطانيين، فقد كان العصيان المدني (satyagraha) يقصد به: الرفض المتعمد ولكن السلمي للامتثال لبعض القوانين البريطانية التي اعتُبرت مرهقة وقاسية. كما كان التقشف والبساطة أيضًا جزءًا من هذه الفلسفة - وهي فلسفة بوذية للغاية، ضمن تقليد هندي للغاية - مما يعني بدوره أنه يجب تجنب أو تقليل الحاجة إلى الكماليات والسلع الاستهلاكية الفاخرة التي يتم استيرادها من الخارج. إن سعيه لتحقيق هذه الأهداف ابتداءً من منتصف عام 1921 وضعه على خلاف مع الكثيرين من أعضاء حركة الاستقلال الذين اعتقدوا أنه يجب على الهند التوجه نحو التحديث على نحو يتبع النمط الغربي، وأن تصبح قوية اقتصاديًا وعسكريًا، مثل اليابان بعد استعادة ميجي.

كانت فكرة استخدام العجلة الدوارة رمزًا للإحياء الوطني موضع سخرية واسعة النطاق ممن رأوا ذلك وسيلة خاطئة لتوجيه طاقة مجتمع مضطرب، وكانوا يعتقدون أن رموز القوة وشعارات القوة  كانت ستكون أكثر ملاءمة.

اقتُرِحت العديد من النماذج البديلة، بينما نظر الكثيرون في حركة الاستقلال أيضًا إلى النظام السوفيتي كنموذج محتمل، والتزم التقليد الاشتراكي داخل الهند بهذا النهج. ومع ذلك، كانت خطة بومباي لعام 1944/1945 تمثل تفكير كبار الصناعيين في الهند، وكانت تمثل أيضًا نموذجًا أكثر ليبرالية للتحديث حول كيف يمكن لنهج استبدال الواردات في التنمية الاقتصادية للصناعات الرئيسية ومتطلبات البنية التحتية أن يدعم التجديد الاقتصادي في الهند. مرة أخرى، استند التفكير إلى أفكار لعكس العلاقات التجارية والاقتصادية غير المتكافئة بين بريطانيا والهند، مع تفكيك الامتيازات التجارية البريطانية. لكن خطة بومباي تصورت أيضًا دفعة كبيرة للتصنيع من خلال البناء على القدرات الحالية والبنية التحتية الصناعية، ومواءمة هذه العملية مع أهداف الاكتفاء الذاتي، والتي كانت بالطبع ترجمة إنجليزية لسواديتشي. لذلك نشأت فجوة بين نهج المحدثين للسياسة الاقتصادية بعد الاستقلال، ونهج غاندي.

كانت المشكلة أن الدافع وراء العديد من الأفكار المتعلقة بإحياء الاقتصاد الريفي قد اندثرت مع اغتيال غاندي في يناير عام 1948، ولم يُعاد إحياء هذه الأفكار بصورة جدية إلا عندما بُدئ في تنفيذ إصلاحات الأراضي بعد عقد تقريبًا من الاستقلال، وفي الفترة التي تلت تأميم البنوك في عام 1969. تم إدراك أهمية إصلاحات قطاع الأراضي والتسهيلات الائتمانية المصرفية كعناصر حاسمة لتحفيز النهضة الاقتصادية في المناطق الريفية مبكرًا، إلا أن البنوك كانت مملوكة للقطاع الخاص ولم يكن لها نشاط خارج المراكز الحضرية الرئيسية، في حين كانت إصلاحات الأراضي تواجه تحديات قضائية بسبب ما كان يُعتبر "مصادرة" للملكية.

كان من شأن هذا النهج أن يعطي الأولوية لإحياء المناطق الريفية على جميع برامج التنمية الأخرى، لكنه كان سيتطلب أنظمة حكم قوية في المناطق الريفية لتنفيذها. في الواقع، استغرق الأمر من الحكومة أكثر من 20 عامًا لتنظيم أنظمة حوكمة فعالة على مستوى القرى تتجاوز تلك الموضحة أعلاه، و 30 عامًا أخرى لإنشاء هياكل سياسية مناسبة لدعم هذه العملية.

أصبحت خطة بومباي، في جوهر مبادئها الأساسية وحجمها ونهجها، أساسًا للخطة الخمسية الأولى (1950-1955)، وقد حدد السياق العالمي الواسع شكل ومحتوى هذه الخطة. في المقام الأول، كان رأس المال نادرًا وكذلك السلع الصناعية والآلات، لذلك كانت الاستراتيجية المعتمدة هي توجيه أي رأس مال وأي مدخلات أخرى متاحة إلى القطاعات ذات الأولوية في الاقتصاد، وقد توافق هذا مع التفكير في ذلك الوقت حول مدى الحاجة إلى تغييرات هيكلية لتحفيز التنمية.

وفي الوقت نفسه، كان من المقرر معالجة المشاكل في القطاعين الريفي والزراعي باستخدام مزيج من مبادئ غاندي بشأن تجديد القرى، واتباع نهج يقوم على تنفيذ المزيد من التخفيضات الكبيرة في الضرائب وغيرها من الرسوم المفروضة على الأراضي الزراعية، وإجراء مزيد من التحسينات (في كثير من الأحيان من خلال الدعم) في قطاعات الري والطاقة والأسمدة وغيرها من المدخلات بما في ذلك للمؤسسات الصغيرة والقطاع التجاري. في المرحلة الأولى من عملية التنمية المخطط لها، التزم نهرو ببناء السدود لأغراض الري وتوليد الكهرباء، وأطلق عليها اسم "معابد الهند الحديثة"، لكن النطاق العام لهذا الالتزام بالاقتصاد الريفي كان أقل بكثير مما هو مطلوب لتحقيق أهداف غاندي.

كما يتضح مما سبق، كان من المفترض أن تلعب الأسواق الحرة دورًا داعمًا فقط حتى يحين الوقت الذي يمكن فيه إعادة هيكلتها للعمل بشكل عادل ولصالح الجميع، وكان على الدولة أن تقود الجهود في متابعة الإصلاح الاجتماعي والهيكلي، بينما تقوم بدورها القيادي بشكل أكبر في تطوير البنية التحتية. كان القطاع الخاص حرًا في العمل بشكل رئيسي في قطاع المشاريع الزراعية والصغيرة والمتوسطة، ولكن في الواقع، أدى نظام التقنين والترخيص المعقد إلى الحد من هذه الآفاق بشدة.

كانت التنمية ولا تزال مفهومًا محيرًا، وقد تم تناولها على نطاق واسع في دستور الهند لعام 1950. كان النمو المقترن بالإنصاف والعدالة الاجتماعية هو النموذج الذي تم تبنيه كما كان الحال بالفعل في معظم البلدان الأخرى التي حصلت حديثًا على استقلالها. وفي عالم اليوم، يجب أن يكون النمو أيضًا مستدامًا ومتعدد الأجيال.

على أي حال، فإن خطط التنمية الاقتصادية في مرحلة ما بعد الاستقلال قد خرجت عن مسارها بشكل خطير بسبب التقسيم والحرب. وقد توقع الجميع أن تنخفض الميزانيات المالية المخصصة للشؤون العسكرية بشكل جذري بعد الحرب العالمية الثانية وأن تتحول هذه الأموال نحو مسار التجديد الاقتصادي، لكن التكاليف الباهظة للتقسيم، والحروب مع باكستان في 1947 و 1965 و 1971، إلى جانب الحرب الكارثية مع الصين في عام 1962، أخرجت كل هذه الخطط الاقتصادية عن مسارها بشكل خطير وربما دائم.

بالطبع كانت هناك مناقشات وخلافات نشطة طوال الفترة التي سبقت التقسيم والاستقلال، وكلاهما حدث في نفس الوقت، وقد تشكلت العديد من هذه المناقشات من خلال الأيديولوجية السياسية والتفكير الاقتصادي ووجهات النظر الثقافية والأفكار الدينية. أما بالنسبة إلى جميع البلدان الأخرى التي مرت بالتجربة الاستعمارية وحققت الاستقلال، فقد كانت هناك أيضًا العديد من المناقشات حول الاستمرارية مقابل الثورة، وأهمية الإصلاح الهيكلي العميق مقابل الحجج المؤيدة للاستقرار. في الواقع، كانت هذه المناقشات على وجه التحديد هي التي كان لها مثل هذا التأثير العميق على الترتيب الدستوري للهند وسياساتها في عصر الاستقلال.

ومن المؤكد أن العديد من الأحداث التي ألقت بظلالها على المنطقة وعلى جميع أنحاء العالم قد أثرت أيضًا بشكل كبير على هذه النقاشات والمناقشات، في ظل وجود بعض البدائل الثورية (الاتحاد السوفيتي ولاحقًا الصين) التي تطرح مسارًا ممكنًا، وفي ظل وجود النموذج التركي الذي يطرح نوعًا آخر من النماذج، بالإضافة إلى ديمقراطيات أوروبا وأمريكا الشمالية التي تطرح بدروها نوعًا آخر. كما تم أخذ الخلطات والتهجينات التي دمجت بين أفكارٍ من عدد من الأنظمة في عين الاعتبار جنبًا إلى جنبٍ مع النماذج الاقتصادية لألمانيا واليابان التي لها قدر من التأثير على الأفكار بشأن دور الدولة في تعزيز النمو والتنمية. كما غذى التقنين في وقت الحرب العديد من هذه المناقشات حيث كان من المتوقع حدوث نقص في المستقبل غير المحدد. بالنسبة للهند على وجه الخصوص، كان هذا مصدر قلق كبير.

كجزء من هذا النهج، تم إدخال فصل يحدد مبادئ السياسات التي كان يتعين على الحكومات اتباعها لخلق مجتمع عادل ومنصف، يمكن للجميع فيه الحصول على فرص في الصحة والتعليم والفرص الاقتصادية. وقد تناولت العديد من الفقرات التحديات التي تواجهها الطبقات الاجتماعية والتفاوتات الهيكلية في المجتمع، ودعت إلى اتخاذ تدابير خاصة لمعالجة هذه المتطلبات. تُعرف هذه الفقرات مجتمعة باسم المبادئ التوجيهية لسياسة الدولة، وكانت فكرة مقتبسة من الدستور الأيرلندي، وتبقى هذه الفقرات غير قابلة للتقاضي ولكن من المفترض أن تشكل جزءًا من أجندة السياسة الدائمة التي يجب على أي حكومة منتخبة اتباعها.

من اللافت للنظر أن كل مسألة تم تسليط الضوء عليها في المبادئ التوجيهية لا تزال محورية في المناقشات السياسية عبر الطيف السياسي وعبر جغرافية الهند الشاسعة والمعقدة حتى يومنا هذا. فالمسألة الحالية، على سبيل المثال، والتي تشغل العقول وتجذب نحوها الكثير من الانتباه هي إنشاء قانون مدني موحد يتم من خلاله التعامل مع حقوق ومصالح الأفراد داخل كل مجتمع على قدم المساواة. إذا نجحت هذه الجهود، فسيحل هذا محل مجموعة متنوعة من قواعد القانون المدني المجتمعية التي تعترف بالحقوق المختلفة داخل المجتمعات المختلفة، والتي تعطي الأولوية بشكل عام للهياكل الاجتماعية الأبوية والتقليدية.

لقد شهد القرن العشرين أيضًا إضافة مواضيع أخرى إلى فكرة السلام والتنمية. النمو الاقتصادي من خلال تشغيل الأسواق التنافسية في سياق السوق الحرة، ضمن نموذج اجتماعي واقتصادي يتسم بالمساواة على نطاق واسع. في هذا التأمل، سيوفر الحكم الرشيد والبنية التحتية الجيدة (المادية والاجتماعية) إطارًا للتنمية، في حين أن النظام الاقتصادي الديناميكي القائم على الأسواق الحرة والعادلة من شأنه أن يضمن انتشار الفوائد.

 

الخلاصة

حاولتُ من خلال هذه الورقة البحثية توضيح كيف أن استعادة أو إعادة اكتشاف التراث الثقافي القديم للهند في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد استُخدما للمرة الأولى من جانب حركات الإصلاح لتحديد الانتهاكات التي تحتاج إلى علاج أو إصلاح عاجل ومن ثم تسخيرها من جانب القادة القوميين لحركة الاستقلال لخلق وعي وطني جديد وموحد. تم تشكيل هذا التراث لإثبات أن كل مجتمع داخل الهند، بغض النظر عن أصوله، لديه في الواقع قواسم مشتركة أكثر بكثير مما قد يدركه أي شخص.

على أحد المستويات، تحدى هذا الأمر بشكل مباشر وجهة النظر البريطانية التي تزعم أن الاختلافات الاجتماعية واللغوية والعرقية لا يمكن التوفيق بينها، مما يبرر "السلام الإمبراطوري" أو توقع حدوث تفكك ذات طابع عنيف. ولكن الأهم من ذلك أنه قدم الأساس للعديد من العمليات المتوازية التي شكلت بشكل أساسي كل من حركتي الاستقلال والإصلاح، مغطية في الوقت نفسه التحديات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

أن هذا كان ممكنًا على الإطلاق كان له كل علاقة بما تم اكتشافه بالضبط وكيف ارتبط ذلك بالمخاوف المعاصرة. على عكس مصر أو بلاد فارس، اللتان تم فيهما فك رموز اللغتين الهيروغليفية القديمة والفارسية في الوقت نفسه تقريبًا الذي تزامن مع فك شفرة اللغة السنسكريتية في الهند، اختلفت أهمية وتطبيق ما تم "اكتشافه" اختلافًا كبيرًا. كان الإرث الذي خلفته البوذية لا يزال سائداً في كل جانب من جوانب الحياة الهندية على الرغم من أن البوذية نفسها قد اختفت إلى حد ما من الهند. أما في كلٍّ من مصر وبلاد فارس، بدا أن القليل جدًا من التقاليد المصرية أو الفارسية القديمة يتردد صداها مع المجتمعات التي تعيش في مصر أو بلاد فارس في ذلك الوقت، على الرغم من وجود فخر هائل بطبيعة الحال بإنجازات أسلافهم. بالمقارنة مع الهند، كان التاريخ القديم في مصر وبلاد فارس بلدًا أجنبيًا بالفعل.

عكست مساهمة القادة القوميين في الهند في عملية استخدام هذه الاكتشافات لتحديد أجندة إصلاح جذرية قوة الأفكار التي حددها غاندي بشكل أساسي؛ حيث نجح غاندي في نشر فهم أعمق لسبب أهمية الاستقلال من خلال الإشارة مرارًا وتكرارًا إلى التعاليم والأفكار الموجودة في البوذية والهندوسية، ومن ثم إقامة روابط لاهوتية وفلسفية مع الأديان الكبرى الأخرى في الهند، وهي الإسلام والمسيحية. كانت تتمثل مساهمته في تحويل النقاش الفكري إلى حد كبير إلى حركة جماهيرية، كما أن استخدامه للوحدة الأساسية لجميع الفلسفات الدينية يتعارض مع الطريقة التي تقدم بها تلك الأديان نفسها في بعض الأحيان.

لقد أدرك بالطبع أن معظم التقاليد والممارسات الدينية في الهند كانت توفيقية وأن العديد من الناس اتبعوا مزيجًا من الممارسات اعتمادًا على العديد من العوامل المختلفة، كما أن غاندي وآخرين غالبًا ما انتقدوا التصنيف اللانهائي للمجتمع الهندي إلى فئات تم استغلالها بعد ذلك بشكل سياسي لخلق هويات مختلفة وحتى معادية. كانت هذه هي الطريقة التي يقوم عليها مبدأ فَرِّق تَسُد، كما أنه تمكن بشكل فعال من دحض فرضياته الأساسية من خلال تسليط الضوء على الخصائص الموحدة المتنوعة للمجتمع الهندي والفلسفة لإعادة التوازن إلى السرد الاستعماري البريطاني.

لكن سيكون من المبالغة إذا ما ألقينا الضوء فقط على دور القادة السياسيين الوطنيين، الذين لم ينشطوا في الغالب إلا في القرن العشرين، إذا ما تجاهلنا الإسهامات التكوينية الأخرى للعديد من حركات الإصلاح والإحياء ضمن الهندوسية والإسلام والمسيحية وأماكن أخرى عبر المجتمع، جنبًا إلى جنب مع التطورات الثقافية في الشعر والموسيقى والأدب، وفي وقت لاحق، في السينما. في البيئة السياسية الخانقة للنظام الاستعماري، كانت هذه الإسهامات الثقافية هي التي شكلت بقوة المشاعر العامة وخلقت عناصر الوعي الوطني التي أصبحت متأصلة بعمق مع مرور الوقت.

كما أننا نعلم أيضًا أنه مع تطور الأحداث، لم يتمكن القادة القوميون من إقناع شرائح كبيرة من السكان المسلمين بهذه الرؤية، وأن حركتهم السياسية مارست العديد من الضغوط من أجل دولة منفصلة منحت لها بالفعل، والتي تم تقسيمها بشكل أكبر في عام 1971 مع ظهور اختلافات عرقية ولغوية جديدة.

يتحقق السلام في الداخل من خلال تسوية دستورية تعترف بحقوق الجميع، ويتحقق السلام في الخارج من خلال مبادئ بانتششيلا؛ وقد وفر هذان النوعين من السلام معًا المساحة اللازمة لصانعي السياسات للتركيز على التحدي الحقيقي الذي يواجه جميع الدول المستقلة حديثًا، والذي كان يتمثل بالطبع في التنمية الاقتصادية العادلة.

في هذا السياق، كان النموذج الاقتصادي الذي تبنته الهند في البداية نموذجًا لاقتصاد مختلط، وكان الاكتفاء الذاتي هدفه الأساسي. كان المنطق في ذلك الوقت بسيطًا: كانت الهند بحاجة إلى استثمارات ضخمة للانتقال من اقتصاد ريفي غير فعال يتعين فيه على الدولة استيراد معظم الغذاء الذي تحتاجه، إلى نموذج أكثر توازناً يتمتع بقدرة كبيرة في قطاع الصناعة والخدمات على حدٍّ سواء، ولكن لم يكن هناك رأس مال كافٍ في العالم لتمويل هذه المتطلبات، لذا فإن أي أموال يمكن تعبئتها ستركز على تطوير القدرات الصناعية المحلية في المجالات الأساسية. وإلى جانب هذه الأولويات، يمكن للقطاع الخاص أن يعمل ويتخذ قراراته الاستثمارية الخاصة. في هذا النهج الأولي، تم إهمال الزراعة وتهميشها نسبيًا حتى مع نمو الاستثمارات في قطاع الري.

نتيجة لذلك، كان معدل النمو بطيئًا نسبيًا مقارنة باقتصادات النمور الآسيوية في منطقة شرق آسيا، بل أن الكثيرون اعتبروه أقل من الإمكانات والمتطلبات على حدٍّ سواء. ومع ذلك، في أعقاب الاستقلال لم تكن هناك أية مجاعات، بل تحقق على العكس الاكتفاء الذاتي في الغذاء أخيرًا في منتصف إلى أواخر الثمانينيات من خلال تحسين الممارسات الزراعية والإنتاجية. كما تم دعم دخول المزارعين من خلال آليات دعم الأسعار وتحسين فرص الوصول إلى الائتمان. وخلال هذه الفترة نفسها (1950-1980)، شهدت المؤشرات الاجتماعية تحسينات كبيرة وواسعة النطاق في ظل تضاعف عدد السكان، مما يشير إلى أنه تم اتباع معايير صحية وتغذوية أفضل في جميع أنحاء البلاد.

إلى هذا الحد، يمكن أن تُعزى حقيقة أن البلاد نجت من عدة عقود، اتسمت بأنها مضطربة في أعقاب الاستقلال، إلى قدرة القادة القوميين على تحدي وجهة النظر البريطانية بأن الاختلافات العرقية والطائفية لا يمكن التوفيق بينها، وبالتالي تتعارض مع أفكار السلام والتنمية الاقتصادية، فقد كان الإطار والهيكل والنظام الدستوري والنظام الذي تم تطويره بعد عام 1950 يميل إلى تعزيز أجندة شاملة وإصلاحية يبدو أنها تحتوي على آليات مدمجة لتلبية المطالب المتنافسة من المجتمعات في جميع أنحاء الهند.

تميل المقارنات مع أداء باكستان مرة أخرى إلى إبراز بعض المرونة والقوة التي يتمتع بها النظام الهندي. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن خطوط الصدع التي انكشفت خلال الصدمة التي أحدثها التقسيم في عام 1947 قد لعبت دورًا – على كلا الجانبين – في إعادة تحديد أولويات سياستهما بالإشارة إلى فهمهم المختلف لتاريخهم.

 

 

 

 

2- الدكتور عامر التميمي - الكويت

الاقتصاد الحر وتحديات التنمية!

منطلقات نظرية:

كان آدم سميث الفيلسوف الاسكتلندي في القرن الثامن عشر أهم من نَظَّرَ لاقتصاديات السوق. زَعَمَ سميث بأن السوق يحدد الأداء الاقتصادي مؤكداً بأن الاحتياجات الخاصة ومتطلبات البشر هي التي تقود إلى الإنتاج المثمر. يضاف إلى ذلك يذكر آدم سميث بأن تحقيق الربح هو المحفز الأساسي في توظيف الأموال، وهو الذي يحدد المشاريع والقطاعات الاقتصادية المفيدة والمجدية. وكما هو معلوم أن طروحات سميث واكبت الثورة الصناعية الأولى التي انطلقت في إنجلترا في عام 1760: تلك الثورة الصناعية مكنت من تغيير وسائل ووسائط الإنتاج وتطوير الأليات والأدوات الاقتصادية. وعند التطرق للنظرية الاقتصادية الحاكمة للاقتصاد الحر فلابد من قراءة كتاب "ثروة الأمم" أو "The wealth of Nations" والذي عمل على تحريره آدم سميث خلال الفترة 1767 – 1776(1). التصنيع الذي بدأ في أوربا خلال تلك الفترة عمل على تهميش النشاط الزراعي وحفز على الهجرة من الريف إلى المدن بعد أن أصبحت مراكزاً صناعية جاذبة للعمالة. لا شك أن التصنيع مَكَّنَ من خلق حِرَفٍ ووظائف أساسية ومُسَاعِدَة وبَدَّل الاهتمامات المهنية وسارع في إنجاز تحولات ديمغرافية في مختلف بلدان أوربا وانجلترا ثم الأمريكيتين.

العالم مر بمراحل اقتصادية عديدة منذ بدء الخلق لكن النظريات الاقتصادية برزت خلال القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. ظل الاقتصاد مرهوناً بالعمل الحر والتطبيقات الرأسمالية حتى ظهرت نظريات الاقتصاد الاشتراكي وأهمها النظرية الماركسية والتي حفزت البلاشفة في روسيا للثورة على الحكم القيصري في عام 1917 والانتقال إلى نظام الاقتصاد الموجه أو "Command Economy". هذا النظام أدى إلى تقييد الملكية الخاصة واعتمد أساليب قسرية في الإدارة والتسويق وقبل ذلك الإنتاج وشملت هذه الأساليب كافة القطاعات ومنها الزراعة والصناعات التحويلية والخدمات، يضاف إلى ذلك قيدت الأسعار. لاشك أن ذلك النظام الاقتصادي عزز من الديكتاتورية السياسية بعد أن كرس نظام الحزب الواحد. بعد الحرب العالمية الثانية اتسع نطاق نظام الاقتصاد الموجه ليشمل الصين وكوريا الشمالية وبلدان أوربا الشرقية مثل بلغاريا ورومانيا والمجر وبولندا وتشيكوسلوفيا ثم امتد ليشمل كوبا. بطبيعة الحال النظرية الماركسية أكدت على أهمية الانتقال من نظام رأسمالي يعزز التصنيع وقيام طبقة عاملة مؤثرة بما يمكن من توفير الظروف الموضوعية للانتقال إلى نظام اشتراكي حقيقي.

 

تأثيرات على العرب:

إن من المؤكد أن الاقتصادات العربية، خصوصاً منذ بداية عهود الاستقلال من الاستعمار أو الانتداب، تأثرت بالعديد من الطروحات الفكرية المتعلقة بتصميم وإدارة الاقتصاد. تمكن العديد من العرب من تلقي العلوم والآداب في جامعات غربية مرموقة وآخرون نهلوا العلم والمعرفة في جامعات عربية مثل جامعة القاهرة وجامعة بغداد أو جامعة دمشق وغيرها وتأثروا بالنظريات الاقتصادية المعلومة. هناك أيضا الأحزاب والجماعات السياسية التي تبنت الفكر الليبرالي أو الفكر الاشتراكي وأخرى تبنت الفكر الديني أو الإسلام السياسي، هذه الجماعات صاغت رؤيتها الاقتصادية ودعت لها. عدد من الجماعات تمكنت من التأثير في نظام الحكم في الحياة الاقتصادية بعد أن تحالفت أو أثرت على أنظمة الحكم التي تولت السلطة، خصوصاً بعد الانقلابات العسكرية في مطلع خمسينات القرن الماضي. يمكن الزعم بأن الأنظمة الاقتصادية في البلدان العربية ظلت حتى أواخر خمسينات القرن الماضي، أو ربما بداية ستينات ذلك القرن، تعمل بموجب أليات وأدوات الاقتصاد الحر، وكان هناك دور مهم لرجال الأعمال والعاملين ضمن أطر القطاع الخاص، وكان لهؤلاء الدور الأساسي في صناعة الثروة وإنتاج مختلف القطاعات وخلق فرص العمل وتوريد الضرائب للحكومات لتمكينها من تمويل أنشطتها وأعمالها الأساسية.

أصبح لدور الدولة أهمية عظيمة في الحياة الاقتصادية بعد أن اضطلعت بملكية وإدارة المرافق الحيوية مثل التعليم والرعاية الصحية والكهرباء وإنتاج المياه والاتصالات والنقل العام أو الجماعي بمختلف ألياته ووسائطه. الكثير من الأنشطة سبق أن عملت تحت ملكية وإدارة القطاع الخاص ثم تم الاستحواذ عليها أو تأميمها من الحكومات، وفي أحيان أخرى، مثل حالات بلدان الخليج تم تأسيسها من قبل الدولة بعد أن نعمت بثروات النفط. بطبيعة الحال كانت هناك توظيفات مالية من قبل أفراد ومؤسسات أجنبية أو غير عربية في بلدان مثل مصر والجزائر وليبيا تم الاستيلاء عليها من قبل الحكومات وترحيل أصحابها. أما المؤسسات الخاصة الوطنية فقد نالها التأميم والمصادرة في السنوات الأولى من عقد الستينات من القرن الماضي في مصر وسوريا والجزائر ومنها مؤسسات إنتاجية مهمة مثل مصانع الغزل والنسيج في مصر وسوريا أو مزارع العنب في الجزائر. في بلدان أخرى مثل اليمن الجنوبي لم تسلم مراكب الصيد التي كان يملكها صغار الصيادين من المصادرة والتأميم. وهكذا أصبح العمل الاقتصادي الحر محارباً ومذموماً في ذهنية الكثير من المواطنين العرب. التحولات نحو الاقتصاد الموجه كيف انجزت على مستوى الانتاج والتنمية وتوفير فرص العمل وتحسين ظروف المعيشة، هذه المقاييس المفيدة للتعرف على جدوى ونجاعة التوجهات الاقتصادية.

 

الريعية الاقتصادية:

          امتزج نموذج الاقتصاد الموجه بنموذج الريعية حيث أخذت الدولة على عاتقها توفير الخدمات التعليمية والصحية ودعم المرافق مثل الكهرباء والمياه والبنى التحتية. كما أن الدولة عملت على توفير الوظائف للمتدفقين إلى سوق العمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية وشركات القطاع العام. نتج عن تلك السياسات تضخماً مقلقاً في عمالة الحكومة والقطاع العام ورصد أموال هامة في الموازنات الحكومية السنوية من خلال أدوات الإنفاق الجاري. وقد اتبعت هذه السياسات المالية في الدول التي تبنت الفكر الاشتراكي أو رأسمالية الدولة ودول الخليج النفطية مما أدى إلى تهميش دور القطاع الخاص بدرجة مهمة. على سبيل المثال يعد الاقتصاد المصري من أهم الاقتصادات العربية من حيث الحجم السكاني والمكانة السياسية للبلاد. حتى نهاية خمسينات القرن الماضي اتسم التنظيم الاجتماعي للإنتاج بهيمنة الزراعة ومحدودية الصناعة واتساع قطاع الخدمات. تمكنت إدارة ثورة 23 يوليو من تطوير الصناعة بدرجة ما. لكن الصناعة اعتمدت على الصناعات الاستهلاكية. القطاع الزراعي الذي هيمنت عليه الملكيات الكبيرة العائدة لعدد قليل من الملاك جرى تحويله بعد الثورة بموجب قوانين الاصلاح الزراعي المتعددة إلى ملكيات صغيرة تم توزيعها على صغار الفلاحين. تلك الملكيات الصغيرة لم تؤد إلى رفع الانتاج الزراعي، بل العكس من ذلك، وقام عدد من هؤلاء الملاك الصغار الجدد بتحويل الأراضي الزراعية إلى استخدامات عقارية مختلفة وانتقل الكثير منهم إلى المدن الكبيرة بحثاً عن وظائف وحرف لكسب الرزق.

 

التخلف والاقتصاد:

          كان عدد سكان مصر قبل ثورة يوليو 1952، كما جاء في كتاب الاحصاء السنوي (1949 – 1951) الصادر عن مصلحة الاحصاء والتعداد التابعة لوزارة المالية والاقتصاد. بحدود 16.8 مليون نسمة 76 في المئة منهم يعانون من الأمية الابجدية. الزراعة آنذاك اعتمدت على محاصيل محدودة منها القمح والشعير والذرة. كما هو معلوم تاريخياً فإن زراعة القطن جاءت مع محمد علي الكبير وتلى ذلك زراعة قصب السكر. النظام الجديد عمل على تطوير الملكية من خلال قانون الاصلاح الزراعي ونشر التعليم في الريف والمدن وسعى إلى تعليم النساء والارتقاء بمكانتهن الاجتماعية ودورهن في الحياة الاقتصادية. كانت أليات التصنيع مهمة لتحسين المستويات المعيشية وتوفير فرص العمل. بطبيعة الحال كان القطاع الخاص، رجال الأعمال المصريين وغيرهم من رجال أعمال عملوا في مصر بعد أن هاجروا قبل عقود طويلة من بلاد الشام واليونان وايطاليا وتركيا وغيرها، كان هؤلاء غير مطمئنين للإجراءات التي سيعتمدها النظام الجديد بشأن حرية التجارة والملكية الخاصة وتنظيم سوق العمل. لذلك اقدم عدد منهم على وقف الأعمال والهجرة إلى خارج مصر، كما أن إجراءات الحكومة عملت على مصادرة حقوق العديد منهم وتأميم أعمالهم. هكذا أضعف أداء القطاع الخاص وتهمش بدرجة كبيرة وعمدت الحكومة إلى تأسيس تعاونيات وشركات حكومية للقيام بأعمال الأنشطة التي لم يعد القطاع الخاص يلعب دوراً حيوياً فيها.

 

هيمنة الاقتصاد النفطي:

          الاقتصاد العربي الذي بذلت محاولات منذ توقيع اتفاقية السوق العربية المشتركة في عام 1964 لإنجاز التكامل مازال يعاني من مصاعب وتشوهات هيكلية. هناك تحديات مؤكدة منها استمرار أهمية قطاع النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل في دول عربية أساسية منها السعودية والأمارات والكويت وقطر وليبيا والعراق والجزائر بالإضافة للأهمية النسبية للقطاع في بلدان مثل مصر والبحرين وعمان وسوريا. وكما هو معلوم أن النفط يواجه تحديات المتغيرات في اقتصاديات الطاقة وسعي الدول المستهلكة الرئيسية لتوفير بدائل الطاقة النظيفة وتطبيق اتفاقيات منها إعلان باريس. وبالرغم من أن النفط والغاز الطبيعي يعني الدول المنتجة في العالم العربي فإن الكثير من الدول العربية الأخرى تعتمد على إيرادات النفط بشكل غير مباشر من خلال المعونات والقروض الميسرة وتحويلات مواطنيها العاملين في دول الخليج وغيرها من بلدان منتجة للنفط. قطاع النفط والغاز أصبح مملوكاً للدولة في معظم البلدان العربية المنتجة للنفط منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، ولا يشمل ذلك إنتاج النفط الخام فقط، المنبع، بل يشمل أنشطة التكرير والبتروكيماويات وإنتاج الغاز الطبيعي والغاز المسيل وأحيانا توزيع المنتجات المكررة أو ناقلات النفط. هناك الآن بلدان عربية أخذت تعتني بإمكانية الاعتماد على شركات نفط عالمية لإنتاج النفط ومكرراته مثل العراق ومصر والسعودية أو الدخول في شراكات معها. بطبيعة الحال أن مثل هذه الشركات أصبحت ضرورية ومفيدة حيث إن تطور صناعة النفط وامتلاك الشراكات العالمية لقدرات تقنية تؤكد أهمية الاستفادة من هذه التطورات وتعزيز القدرات الإدارية وتمكين العمالة الوطنية من كسب الخبرة والمهارات الفنية.

 

السكان والعمالة:

          يشير تقرير لصندوق النقد العربي الصادر في مايو، أيار، 2023 بأن من أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب المتدفقين إلى سوق العمل. لا شك أن مشكلة البطالة ناتجة عن عوامل اقتصادية أساسية تتمثل بضعف الاستثمار في المجالات الانتاجية وضعف الأوضاع المعيشية التي تعطل الطلب على السلع والخدمات. لكن هناك الأزمة الديمغرافية التي تتمثل بارتفاع معدلات النمو السكاني في العديد من البلدان العربية. يقدر عدد سكان البلدان العربية بنحو 468 مليون نسمة ويشكل الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و 24 عاماً 28 في المئة. هؤلاء لابد أن يتدفق الكثير منهم إلى سوق العمل ويتراوح معدل النمو السكاني بين 1 في المئة في تونس إلى 5 في المئة في عمان. بيد أن معدلات الخصوبة مازالت مرتفعة قياساً بالمعدل العالمي حيث يبلغ 3.1 طفل لكل امرأة في سن الانجاب بالرغم من انخفاض هذا المعدل عن مستواه في عام 1990 عندما بلغ 6.2 طفل لكل امرأة في سن الانجاب. ونظراً لغياب السياسات التنموية المفيدة في مختلف البلدان العربية فأن أي زيادة في أعداد السكان ستمثل عبئاً اقتصادياً.

 

الناتج المحلي الإجمالي والديون:

          يقدر الناتج المحلي الإجمالي لكافة البلدان العربية في العام 2023 بنحو 3.5 تريليون دولار حصة السعودية ما يقارب 1.1 تريليون دولار والأمارات 509 مليار دولار، في حين يبلغ الناتج المحلي الإجمالي في مصر 398 مليار دولار. ويتفاوت الناتج المحلي الإجمالي في بقية البلدان العربية بين 255 مليار دولار للعراق و 25 مليار دولار للسودان. تعاني بلدان عربية من انعدام الأمن والنزاعات المحلية التي عطلت الحياة الاقتصادية ودفعت فئات واسعة من الشعوب العربية إلى حافة الفقر واتساع نطاق البطالة. وقد تراجعت معدلات النمو خلال العقد المنصرم بشكل سريع، خصوصاً في بلدان مثل السودان والعراق ولبنان و سوريا وليبيا. معلوم أن البلدان العربية مازالت تدار بموجب أنظمة الاقتصاد الموجه. الاقتصادات العربية التي تعاني من الديون الخارجية والداخلية ودخلت محادثات طويلة ومعقدة مع صندوق النقد الدولي ومؤسسات مالية عالمية من أجل الحصول على تمويلات جديدة تمكنها من الوفاء بالتزاماتها الأساسية وخضعت لتوجيهات من تلك المؤسسات بشأن الإصلاح المالي والاقتصادي لم تفعل أليات التخصيص وتحفز القطاع الخاص حتى الآن.

 

تجارب مريرة:

          تجارب الاقتصاد الاشتراكي العربية مليئة بالدروس المفيدة والتي تؤكد أهمية الانتقال إلى الاقتصاد الحر المعتمد على أليات السوق والمبادرات الخاصة. الاقتصادات العربية التي مرت بتجارب الاشتراكية مثل مصر وسوريا والجزائر واليمن الجنوبي عانت من تراجع التنمية الاقتصادية وتدهور مستويات المعيشة وسوء تخصيص الموارد. الاقتصادات المشار إليها اعتمدت أليات قسرية في إدارة الاقتصاد ودفعت أصحاب رؤوس الأموال إلى الهجرة. الإدارة الاقتصادية للموارد والمؤسسات اعتمدت على عناصر لا تتمتع الكفاءة ومنهم عساكر أو بيراقراطيون غير مهنيين. الأهداف التي اعتمدتها تلك الأنظمة لم ترتبط بشكل واقعي مع متطلبات التنمية الاقتصادية الواقعية وحسن إدارة الموارد المالية والاقتصادية والبشرية، بل كانت تركز على تحرير الريف من الاقطاع دون تحديد كيفية تعزيز الإنتاج الزراعي ورفع معدلات إنتاجية الفلاحين، وكذلك تحرير الصناعة من ملكية وهيمنة البرجوازيين دون رسم خريطة رفع الإنتاج الصناعي وتنويعه وتحديد المجالات المجدية في الصناعة والاستفادة من التقنيات الحديثة التي حملتها الثورات الصناعية المتلاحقة. كما أن التحرر من الاستعمار يعني القطعية مع البلدان الصناعية المتقدمة وعدم الاستفادة من تجاربها الاقتصادية والشراكة مع شركاتها لتطوير أعمال وأنشطة مفيدة ومجدية في البلدان العربية. أدى طغيان البيروقراطية إلى تعطيل أية مبادرات من قطاع الأعمال، كما أن الثقافة السياسية التي سادت عززت العداء للقطاع الخاص وطبقة رجال الأعمال، ولذلك فإن المحاولات لتحرير الاقتصاد وإنجاز عمليات التخصيص في البلدان التي خضعت للنظام الاشتراكي تعطلت بسبب تلك الثقافة التي جعلت من الأوضاع الاقتصادية غير متوافقة مع فلسفة الاقتصاد الحر.

 

محاولات الإصلاح:

          يشير تقرير الصندوق العربي للإنماء الاقتصاد والاجتماعي "تحدي التنمية في العالم العربي: إلى أين نحن ذاهبون" والذي حرره المدير العام رئيس مجلس الإدارة السابق عبد اللطيف يوسف الحمد والمؤرخ 10 نوفمبر، تشرين الثاني، 2009 بأن الفترة من بداية الستينات إلى1985 طغى القطاع الحكومي وتراجعت الإنتاجية وبلغت تلك الإنتاجية للعامل العربي تساوي 18 في المئة من إنتاجية العامل الأمريكي بعد أن كانت تعادل 32 في المئة من إنتاجية العامل الأمريكي في مطلع ستينات القرن الماضي. يظل الرئيس الراحل أنور السادات رائداً في الإصلاح الاقتصادي عندما اعتمد في عام 1974 القانون 43. تم إصدار هذا القانون بعد حرب أكتوبر 1973 في محاولة لتغيير أنظمة الاقتصاد واعتماد مسار تنموي أكثر فعالية عن ما كان سائداً. مواد القانون حددت إمكانيات مشاركة رجال الأعمال المصريين مع رجال الأعمال العرب والأجانب في تملك مشاريع وتوظيف الأموال في قطاعات عديدة. أكد القانون على تهيئة المناخ المناسب لقيام مركز مالي ونقدي في مصر وتقديم ضمانات كافية ضد المخاطر غير التجارية وتوفير حوافز مناسبة لتشجيع الاستثمار.

          هناك تجارب اصلاح اقتصادي في المغرب وغيرها من بلدان عربية ولكن تفاوتت نتائجها. يشير صندوق النقد الدولي أن المغرب دخلت مرحلة الإصلاح الاقتصادي منذ بداية القرن الحالي وبعد استلام الملك محمد السادس الحكم بعد وفاة والده المرحوم الحسن الثاني. أيقنت السلطات المغربية بأن تحسين مستويات المعيشة والارتقاء بجودة الحياة تتطلب تعزيز دور القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على دور الحكومة في العمل الاقتصادي. عملت الحكومة على اصلاح السياسات المالية وتطوير السياسة النقدية لتواكب المتغيرات الدولية. وبالرغم من مرور المغرب خلال العقدين الماضيين بمصاعب ناتجة عن أزمات دولية واقليمية مثل الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والمصاعب الناتجة عن التحركات المتعلقة بالربيع العربي عام 2011 فإن البلاد تمكنت من إنجاز إصلاحات وتطوير مشاريع تنموية مهمة اعتماداً على القطاع الخاص والتدفق الاستثماري الأجنبي. تمكن المغرب من رفع معدل الحياة بنحو 30 عاماً عن ما كان عليه في عام 1960، ويأتي ذلك الارتفاع بفعل الانفاق على الرعاية الصحية وتحسين جودة التعليم. عانى المغرب من أزمة الديون في أوربا حيث تراجع الطلب على الصادرات المغربية بما رفع من قيمة العجز في ميزان المدفوعات، لكن ذلك الأمر تغير في عام 2019 وتراجع العجز في الحساب الجاري إلى 3.7 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي. لاشك أن المتغيرات في أسعار النفط كان لها تأثيرات مهمة.

 

طروحات عربية:

التعديلات على الأنظمة الاقتصادية تفاوتت على مدى العقود الماضية بدرجتها فهي متميزة في المغرب وجيدة في مصر وبطيئة في بلدان عربية أخرى.

هل هناك فلسفة اقتصادية حاكمة في البلدان العربية وما هي معالمها الواضحة؟ المكتبة العربية حافلة بالإصدارات المهمة بشأن الفلسفة الاقتصادية. يعتبر كتاب " فلسفة علم الاقتصاد: بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد ". لمؤلفه المرحوم الدكتور جلال أمين من أهم تلك الإصدارات. يطرح الدكتور جلال أمين أهمية فهم الاختلاف في الرؤى الاقتصادية والتي على أساسها تم صياغة النظام الاقتصادي والقوانين التي تحكم مختلف القطاعات الاقتصادية والأنشطة المتعلقة بها. يضيف المرحوم الدكتور جلال أمين في كتابه أن النظريات الاقتصادية والاجتماعية ليست صالحة لكل زمان ومكان. غني عن البيان أن الحياة وتطوراتها ومتغيرات الأنشطة الاقتصادية وطغيان نشاط على آخر، مثل ما طغت الصناعة على الزراعة بعد الثورة الصناعية الأولى في بريطانيا ثم أوربا ومهدت المجال أمام المفكرين الاقتصاديين لطرح فلسفات وأفكار جديدة. مما لا شك فيه أن مفكرين مهمين على مدى القرون الثلاثة الماضية عززوا الفكر الاقتصادي وطرحوا قيم اجتماعية ذات صلة بالاقتصاد، كما فعل ماركس، وأدم سميث، وريكاردو وغيرهم. في عالمنا العربي برز عدد من الاقتصاديين في القرن العشرين ومن أهمهم عدد من المصريين مثل إبراهيم شحاته وإبراهيم عويس واسماعيل صبري عبد الله وجلال أمين ورمزي زكي وسمير أمين وفؤاد مرسي ومحمد سعيد النجار ونادر فرجاني وغيرهم. ثمة اقتصاديون مغاربة أثروا الساحة الفكرية الاقتصادية ومنهم فتح الله وعلو وعثمان السليماني وعبد القادر بنسليمان وآخرون.

هناك العديد من المفكرين الاقتصاديين العرب من اعتقدوا بأن الاشتراكية ونظام الاقتصاد الشمولي "Command Economy" سيكون الترياق الذي يطلق التنمية الاقتصادية في البلدان العربية ويحررها من الاعتماد على البلدان الأخرى، أو ما كانوا يصفونها بالدول الاستعمارية. التجارب التي جرت في البلدان العربية والتي سبق الاشارة لها أثبت بأن هناك حاجة لمراجعة فكرية للأوضاع الاقتصاديـــــــة العربيـــة، خصوصاً في البلدان التي نهجت بمفاهيم دور الدولة القائد في الاقتصاد أو تلك الدول الخليجية التي اعتمدت على الريعية في إدارة اقتصادياتها وعززت الاتكال على الدولة. الاقتصاد الحر قد تنتج عنه اشكالات في مسائل توزيع الثروة أو عدالة ذلك التوزيع ولكن هناك أليات يمكن التغلب من خلالها على تلك الاشكالات ومنها الضرائب على الأرباح الصافية للشركات وعلى مداخيل الأفراد بنظام الضرائب التصاعدية وكذلك ضريبة القيمة المضافة أو المبيعات على السلع الكمالية. نظام الاقتصاد الحر لا يعني عدم قيام الدولة بالدور الأساسي في توفير التعليم والرعاية الصحية. في البلدان الرأسمالية المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا يتوفر التعليم مجاناً للجميع، وتزيد بريطانيا بتوفير الرعاية الصحية للجميع "Universal Coverage" بطبيعة الحال هناك مدارس خاصة وجامعات خاصة في البلدان الأوربية وفي الولايات المتحدة بموازاة المؤسسات التعليمية الحكومية. وتتنافس مؤسسات الرعاية الصحية الخاصة مع المؤسسات الصحية الحكومية. أهم ما يجب التأكيد عليه أن الطموح من أجل أداء اقتصادي يتسم بالكفاءة وعدم الهدر من الأموال العامة يتطلب دور القطاع الخاص والانفتاح وجذب الاستثمارات للتوظف في مختلف القطاعات الحيوية.

 

الإدارة الحكيمة:

فلسفة الاقتصاد الحر كما بينها أدم سميث ترتكز على أهمية تحقيق أصحاب رؤوس الأموال أرباحاً على توظيفاتهم المالية وذلك يتطلب إدارة حكيمة وسيطرة على التكاليف. البيروقراطية الحكومية، خصوصاً في البلدان العربية، اثبتت عدم الكفاءة في إدارة المرافق والمؤسسات الاقتصادية ورفعت تكاليف الانتاج. البلدان العربية عندما قررت تأميم وتملك المرافق مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل لم تتمكن من تحقيق نتائج مالية مفيدة للخزينة العامة واعتمدت على تسعير الخدمات بموجب نظام الدعم الذي يكلف الخزينة العامة أموالاً طائلة. القطاع الخاص يمكن أن يمتلك ويدير هذه المرافق وإلغاء أنظمة دعم الخدمات والوقود بما يحفز القطاع الخاص للسيطرة على التكاليف وتحسين جودة المنتجات بشرط توفير بيئة تنافسية موضوعية تعزز الكفاءة. وقد تمكنت السعودية والبحرين والأمارات وعمان في السنوات القليلة الماضية بعد إنجاز تحولات بنيوية من تحسين الأداء وتخفيض التكاليف وفي الوقت ذاته العمل بموجب تسعير ملائم للمستهلكين. هناك عوامل هامة في تحقيق هذه الأهداف أهمها استخدام أنظمة تقنية جديدة والاستفادة من الشراكة مع شركات ومؤسسات عالمية متخصصة في مختلف الأنشطة. ذلك يعني أن يكون التحرر من هيمنة الدولة مرتبطاً بانفتاح على الاستثمار الأجنبي.

هل هناك معوقات للتخصيص والإصلاح البنيوي في الدول العربية بما ينقلها إلى أنظمة اقتصادية تعتمد فلسفة الاقتصاد الحر؟ هناك الكثير من المعوقات أهمها الثقافة السياسية التي تجذرت على مدى العقود الطويلة الماضية والتي جعلت من دور الدولة مقدساً غير قابل للانتقاد والترشيد والإصلاح. كذلك فإن دور الدولة في الدول التي انتهجت نظام ورأسمالية الدولة أو تلك التي اعتمدت نظام الاقتصاد الريعي جعل من التوظيف في الحكومة، أو ما يطلق عليه المصريون الميري من أهم أهداف الداخلين الجدد أو المتدفقين إلى سوق العمل. بطبيعة الحال عندما يهمش دور القطاع الخاص تتقلص فرص العمل فيه أو تصبح غير جاذبة، خصوصاً إذا كانت الرواتب والأجور أدنى من تلك التي توفرها الحكومة للعاملين فيها.

 

إشكالات موضوعية:

معوقات أخرى تتمثل بتسعير السلع والخدمات. على مدى سنوات طويلة اعتمدت الحكومة أنظمة الدعم للمواد الغذائية الأساسية والوقود والمياه والكهرباء والمواصلات بما يجعل من التكاليف على المستهلكين متهاودة ومقدور عليها إلى حد بعيد. عندما يتم الإصلاح فإن أليات وأدوات الدعم لابد أن تختص أو على الأقل تترشد وبذلك فإن الأسعار سوف ترتفع على المستهلكين، وخصوصاً أصحاب الدخول المحدودة. القطاع الخاص لابد أن يعتمد أنظمة تسعير تأخذ بنظر الاعتبار التكاليف الحقيقية لإنتاج السلع والخدمات. الحكومات تحملت التكاليف الباهظة لإنتاج العديد من السلع والخدمات وطرحتها للمستهلكين بأسعار منخفضة. لابد من معالجة هذه المسألة وربما لن يتحقق القبول من المستهلكين لأنظمة التسعير الاقتصادية إلا بعد حين، وليس بعد أن تتوفر بيئة تنافسية في مختلف الأنشطة والقطاعات وتسخير أنظمة تقنية ملائمة تعمل على تخفيض التكاليف من خلال التنافسية هي الوسيلة المثلى والتي اتبعت في الاقتصادات المتقدمة والتي عززت منظومة العرض والطلب لتفعيل التسعير المناسب والمقبول من المستهلكين. لاشك أن البلدان العربية، أو عدداً منها، تتمتع بأسواق حديثة في الوقت الحاضر تنشط فيها المتاجر المتخصصة والمطاعم والفنادق والمؤسسات الخدمية الأخرى. لكن معظم المؤسسات والمنشآت مازالت تمثل مساهمة محدودة في الناتج المحلي الإجمالي حيث أن الأنشطة الرئيسية لا تزال مملوكة ومدارة من قبل الدولة.

هناك معوقات ثقافية وسياسية تعطل عملية الإصلاح والتحول وترفض فلسفة الاقتصاد الحر. كما سبق الإشارة أن التوجهات السياسية وما نتج عنها من تحولات اجتماعية وثقافية فرضت قيوداً ذهنية على غالبية المواطنين دفعت إلى تعطيل القدرة على المبادرة في تأسيس الأعمال أو بذل الجهود الحرة من أجل تحقيق الدخل وصناعة الثروة. وبعد غياب أصحاب الثروات التي تم تأميمها أو تهميشها خلال العقود الماضية أصبحت صناعة الثروة من قبل المنتفعين بالأنظمة الريعية والشمولية تتم في غياب المعايير الاقتصادية السلمية والجهود والمثابرة في العمل من خلال المضاربة أو الفساد الإداري والسياسي. انتفع الكثير من أصحاب الثروات الجدد من قربهم من صناع القرار السياسي أو بلوغهم مواقع إدارية أو سياسية متقدمة لنيل المكانة التي تمكنهم من بناء ثرواتهم الخاصة دون جهود تذكر. لاشك أن الثروة النفطية مكنت الكثير من أصحاب النفوذ من تجميع ثروات هامة. تلك الثروات ربما دفعت عدداً منهم لتأسيس شركات ومؤسسات أصبحت ذات أهمية في مختلف اقتصادات الدول العربية. وعندما نعود لمسألة المعوقات الثقافية فإن هناك رحلة طويلة يجب أن تبدأ لتأكيد قيم ومفاهيم الاقتصاد الحر التي تتركز على المبادرة الخاصة وقياس المخاطر والاعتماد على تنمية الأموال أو الثروات من خلال نشاط فردي أو جماعي صبور وطويل.

 كيف يمكن تعزيز دور الاستثمار الأجنبي في بناء الاقتصادات العربية؟ ظلت الدول العربية لسنوات طويلة تتعامل بحذر مع المستثمرين الأجانب بالرغم من تعديلات القوانين وتحفيزها لتوظيف الأموال الأجنبية في مختلف الأنشطة والأعمال. لا شك أن التدفقات الرأسمالية على الدول العربية لم تكن يسيرة حيث أن رجال الأعمال اشترطوا تعديلات هامة على الأنظمة الاقتصادية والتشريعات التي تحكمها. كما أن الملاحظات التي كانت تثيرها وفود صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حول الهياكل الاقتصادية والتعقيدات المبينة فيها وتعطيل عمليات تحرير أسعار صرف العملات الوطنية لم تكن مواتية لتدفق الاستثمارات الأجنبية. لكن المحاولات المبذولة من الحكومات في مصر والمغرب والجزائر وسوريا ودول الخليج العربية عززت الثقة لدى المستثمرين وأصبحوا أكثر اطمئناناً لإمكانيات الانفتاح الاقتصادي في هذه المنطقة من العالم. لا تزال هناك صعوبات لخلق اقتصادات جاذبة نتيجة لمحدودية الموارد السيادية وتدني مستويات المعيشة وتراجع كفاءة المتعلمين والمهنيين نظراً لتدهور النظام التعليمي في أكثر من بلد عربي. يضاف لذلك المعوقات الثقافية ومنظومة القيم والتي تكرس بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي. لكن لابد من التأكيد على أن الانفتاح وبناء أنظمة الاقتصاد الحر في البلدان العربية يتطلب حضور لرأسمال الأجنبي حيث يمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة والأموال اللازمة والإدارة المتمكنة.

 

الاستثمار الأجنبي المباشر:

          الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن من سد فجوة التمويل التي تعاني منها بلدان مثل مصر والجزائر والمغرب حيث إن امكانيات القطاع الخاص المحلي في هذه البلدان لا تزال محدودة، كما أن متطلبات المشاريع الحديثة تستدعي تواجد مستثمرون يملكون الأموال والتقنيات ولذلك فإن ولوج شركات عملاقة متخصصة بأنشطة محدودة، مثل شركات البترول المؤهلة لتطوير حقول الإنتاج ومصافي التكرير وأعمال البتروكيماويات يؤكد على أهمية التعاون والشراكة معها. على سبيل المثال الكويت أرادت أن تطور حقول شمال البلاد لزيادة الطاقة الإنتاجية والتخفيف على الحقول التقليدية التي عانت من الاجهاد والمشكلات الفنية. أتضح أن تلك الحقول تتطلب تقنيات متطورة وخبرات ولذلك تم التفاوض مع شركات نفط كبرى للشراكة بين مؤسسة البترول الوطنية وتلك الشركات ولكن الأمور تعثرت بعد إصرار الشركات على الشراكة واقتسام الإيرادات في حين كانت الحكومة تريد أن تتعامل مع الشركات كمشغلين يتقاضون أتعابهم. ظلت الحكومة تصر على الشركات أن يكون عملها في تلك الحقول مبني على عقود خدمات ودعت شركات منها ال BP البريطانية وتوتال الفرنسية ورويال دش شيل الهولندية وشيفرون. المباحثات التي جرت لم تفلح في إيجاد صيغة توافقية ولذلك تم إلغاء المشروع والذي كان يمكن أن يضيف 800 ألف برميل يومياً للطاقة الانتاجية.

          مصر تجد أوضاعها قد استعصيت في الوقت الراهن وليس هناك بديلاً عن تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. قد يزعم البعض بأن مصر بدأت رحلة الانفتاح الاقتصادي منذ عام 1974 وأن هناك شركات أجنبية عاملة في مصر، وتعمل شركات نفطية مهمة في قطاع النفط والغاز. مؤخراً استدعت وزارة البترول عدد من الشركات الأجنبية للاستثمار في القطاع ورفع إجمالي استثمارات شركات النفط الأجنبية العاملة في مصر إلى ما يقارب 9.0 مليار دولار. أصبح هذا القطاع حيوياً لمصر حيث هناك متطلبات الاستهلاك المحلي والتصدير لجني إيرادات سيادية للبلاد. خلال العام الحالي 2022 – 2023 بلغت إيرادات صادرات الغاز المصرية نحو 6.5 مليار دولار، وهناك خطط لزيادتها إلى 10 مليار دولار في الأعوام القادمة. ويبلغ إنتاج مصر من البترول 580 ألف برميل يومياً وما يقارب 6.2 مليار قدم مكعب من الغاز يومياً. لكن الاستهلاك المحلي المتزايد يحد من الاستفادة من الصادرات بيد أن وجود الشركات الأجنبية عززت القدرات ومكن من مواجهة متطلبات الاستهلاك المحلي ووفر نسبة لا باس بها للتصدير لجني دخلاً للبلاد. غني عن البيان أن تواجد هذه الشركات الأجنبية عززت من ارتقاء القدرات المهنية للعاملين المصريين ووفر شراكات حيوية بين القطاع الخاص المصري والشركات الأجنبية في قطاع مهم، وكذلك كانت هناك شراكات بين القطاع العام والشركات الأجنبية.

 

السياحة:

          ظل القطاع السياحي في البلدان العربية محتكراً من الدولة في بلدان عربية عديدة، خصوصاً الفنادق الكبرى والمنتجعات، لكن القطاع الخاص استثمر في فنادق ونزل صغيرة ومتوسطة. بعد الصدمة النفطية الأولى قدم إلى مصر وتونس والمغرب ولبنان العديد من المستثمرين العرب والأجانب ووظفوا أموالاً كبيرة في القطاع الذي بدا لهم واعداً. تشير التقارير بأن الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع السياحة في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا بلغ 2.6 مليار دولار في عام 2021. ويبدو أن السعودية أخذت تستأثر بنصيب مهم من هذه الاستثمارات نظراً للانفتاح الاقتصادي المبهر والأفاق الاستراتيجية التي تبنتها الدولة. قطاع السياحة في منطقة الخليج موعود بتوظيفات مهمة حيث قدرت الاستثمارات المتوقعة في القطاع في السعودية بنحو تريليون حتى عام 2030 ولا بد أن جزء هام من هذه الاستثمارات سوف تأتي من المستثمرين الأجانب الذين أكدوا ثقتهم بأفاق الاقتصاد السعودي والقدرة على جذب السياح من مختلف بلدان العالم، خصوصاً بعد تطوير المزارات الدينية وتشجيع السياحة الدينية، الحج والعمرة، وكذلك تطوير مناطق على ساحل البحر الأحمر والخليج العربي. هناك دور الدولة في تطوير البنية التحتية وتوفير الأوضاع المؤسسية الملائمة والتشريعات المحفزة لكن الحكومة السعودية تعول على القطاع الخاص لتوظيف الأموال والدخول في شراكات مفيدة مع المستثمرين الأجانب على تنمية الأموال أو الثروات من خلال نشاط فردي أو جماعي صبور وطويل. السياحة لا تتوقف عند الفنادق والمنتجعات ومباني الشقق الفندقية أو المفروشة، بل تشمل أيضا وسائط الانتقال مثل شركات التاكسي وهناك المطاعم والمقاه. هذه أعمال صغيرة أو متوسطة يمكن أن يضطلع بها العديد من المواطنين من أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة. هذه الأعمال قد تنتعش عندما يكون هناك تدفق سياحي على البلاد بالإضافة لأهمية القوانين المنظمة التي توفر الامتيازات والاعفاءات. وبذلك فإن إيرادات السياحة يتعين أن تشمل إيرادات الفنادق وشركات الطيران وكل المؤسسات العاملة في القطاع بشكل أو بآخر. تقدر إيرادات السياحة العالمية في عام 2023 بنحو 1.4 تريليون دولار وهو ما يعادل 90 في المئة من إيرادات عام 2019 قبل جائحة كرونا. هذا المستوى العالمي، ولكن كيف هي أوضاع السياحة العربية في الوقت الراهن؟ تشير بيانات السياحة والنقل بأن بلدان المنطقة شهدت تحسناً بنسبة 46.9 في المئة بين عامي 2021 و 2022 وازدادت أعداد الزوار بعد تخطي جائحة كرونا وبلغت الإيرادات 107 مليار دولار. وتشهد بلدان الخليج اهتماماً متزايداً بالقطاع ومحاولات لتحسين مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وتتوقع دولة الأمارات العربية أن تصل مساهمة السياحة إلى 10 في المئة. كذلك عملت عمان على تكثيف الجهود لدعم القطاع وخصصت 5.4 مليار دولار للاستثمار وحددت 12 مجمعاً سياحياً متكاملاً و 24 مشاريع سياحية محلية و 124 فندقاً ونزلاً، هذه المشاريع لابد أن تحفز القطاع الخاص لتوظيف الأموال فيها أو في مشاريع ذات صلة.

تسعى السعودية إلى جذب 100 مليون سائح أو زائر، ضمن خطة أو رؤية 2030 لذلك فهي تعمل على تشييد مشاريع فندقية ومنتجعات بطاقة جديدة من 315 ألف غرفة فندقية. كما تسعى إلى تأسيس شركة خطوط طيران جديدة. وتركز رؤية السعودية على دور محوري للقطاع الخاص في حين تضطلع الدولة بإقامة مشاريع البنية التحتية وتوفير الأوضاع المؤسسية والقانونية التي تفعل دور القطاع الخاص. اقتنعت الإدارة السياسية بأهمية العمل وقدرة أصحابه على دراسة المشروعات والتأكد من جدواها وتحديد المخاطر التجارية في الوقت الذي توفر الدولة حماية من المخاطر السياسية وغير التجارية. وعندما يكون الشعب، كما هو الحال في السعودية وبقية دول الخليج والعديد من الدول العربية، بأغلبيته شبابية فأن هذه الأنشطة تمكن من توفير فرص العمل وتنمية المهارات المهنية. وكما هو معلوم تعاني كافة الدول العربية من محدودية فرص العمل للمواطنين في القطاع الخاص وتكدس أغلبية العاملين في دوائر الدولة والشركات الحكومية أو المنتمية للقطاع العام. لذلك فإن تحدي تأسيس الأعمال يظل مهماً.

 

تحولات النظام الرأسمالي:

النظام الرأسمالي، أو نظام الاقتصاد الحر، تعرض لأزمات خلال القرون والعقود الماضية، ولكنه ملك أليات للإصلاح الذاتي والتحرر من تلك الأزمات. أهم الأزمات التي مر بها الاقتصاد الرأسمالي أزمة انهيار سوق الأوراق المالية في نيويورك في عام 1929 بعد أن تضخمت أسعار الأسهم ثم انهارت وأدت إلى تفليسيات كبرى للعديد من الشركات ورجال الأعمال بما أثر على البنوك والشركات الدائنة ثم على المالية العامة. أزمة الكساد الكبير " "The Great Depression خلال الفترة 1929 إلى 1939 كانت أكبر صدمة للاقتصاد العالمي ولم تؤثر فقط على الولايات المتحدة حيث بدأت، بل إنها شملت مختلف بلدان العالم. خلال الفترة من 1929 إلى 1932 فقد الناتج المحلي الإجمالي على المستوى العالمي 15 في المئة من قيمته. أدت الأزمة إلى تراجع المداخيل الشخصية والأسعار وإيرادات الضرائب والأرباح. كما أن التجارة العالمية تراجعت بنسبة تجاوزت الخمسين في المئة، أما البطالة فقد ارتفعت إلى مستويات قياسية بلغت 23 في المئة في الولايات المتحدة ووصلت إلى حدود 33 في المئة في بلدان أخرى. كان للورد جون مينارد كينز John Maynurd Keynes دوراً محورياً في تقديم طروحات ساهمت في انقاذ النظام الرأسمالي في ثلاثينيات القرن العشرين. كان اللورد كينز اقتصادي بريطاني (1883 – 1946)، يعتبر مؤسس النظرية الكينزية في الاقتصاد، أو الاقتصاد الكلي الحديث. حدد في نظريته كيف يمكن للحكومات أن تؤثر على الأداء الاقتصادي من خلال أليات الانفاق العام من أجل تحفيز مختلف الأنشطة ورفع مستويات الطلب لمواجهة الركود. وأثار في كتابه المشهور"The General Theory of Employment, interest and Money أهمية تدخل الحكومة لتطوير مشاريع من أجل الحد من البطالة. وأشار من ناحية أخرى أن الرأسمالية المنفلتة لابد أن تكون ذات تأثيرات كارثية ويتطلب إصلاحها، ليس فقط من أجل حمايتها، بل أيضا لتمكينها من منافسة الأنظمة الاقتصادية الأخرى ومنها النظام الشيوعي. وقد استعان الرئيس فرانكلين روزفيلت في سنوات حكمه والتي بدأت في عام 1933 خلال فترة الكساد الكبير. طور روزفيلت سياسات مالية عالج فيها أزمة البطالة واعتمد فلسفة The New Deal والذي اعتمد على القيام بإنجاز مشروعات تتولى الدولة الانفاق عليها من أجل خلق فرص عمل لكن حاول أن لا تتجاوز النفقات حصيلة الإيرادات بشكل كبير. بيد أن طروحات كينز مثلت تحولاً هاماً في النظرية الاقتصادية الرأسمالية التي كانت تستبعد أي دور للدولة في إنجاز المشاريع أو إقامــــــة الأعمــــــــال ولذلك واجهت بعد ذلك انتقادات مـــن مدرسة شيكاغـــــو وعميــــــدها "Milton Friedman" (1912 – 2006)، والذي انتقد طروحة أن الاستهلاك هو العنصر الأساسي في الانتعاش الاقتصادي. أكد فريدمان بأن الانفاق وتراكم الدين العام يقود دائماً إلى التضخم بما يخفض من قيمة النقود. ظلت مدرسة شيكاغو حتى يومنا هذا من أهم المعاهد الاقتصادية المناهضة للتدخل الحكومي في العمل الاقتصادي وأكدت على أهمية تبني سياسات نقدية ملائمة لتحفيز النشاط الاقتصادي.

يمكن أن نبين بأن أحد الاقتصاديين العرب ساهم في دراسة الرأسمالية بعمق. المرحوم الدكتور فؤاد مرسي، وهو ذو نزعة ماركسية، أصدر كتاباً " الرأسمالية تجدد نفسها " من خلال سلسلة " عالم المعرفة " في الكويت في مارس 1990. أكد الدكتور فؤاد مرسي في كتابه القيم بأن الرأسمالية "أنها أكثر قدرة على الحياة مما كان يتصور كل خصومها. ولقد تغلبت على أخطر التناقضات فــــي اللحظة المناسبـــــة". أكد بأن الرأسمالية المعاصرة تميزت بالاستجابة الحيوية لمقتضيات ومتغيرات العصر. كذلك تمكنت من تطوير أليات الإنتاجية. طرح خلال الكتاب أهمية التطورات التقنية في تعزيز النظام الرأسمالي. وهكذا نجد أن منظرين اشتراكيين أكدوا قدرات نظام الاقتصاد الحر على الحياة والتطور. لاشك أن النظام الرأسمالي منذ ثلاثينات القرن الماضي عزز أنظمة الرعاية الاجتماعية والتقاعد وحماية الفقراء وطور أنظمة الضرائب لتكون أكثر عدالة وحفز الشركات ورجال الأعمال على تبني المسؤولية الاجتماعية للمساهمة في تعزيز عدالة توزيع الثروة. لم يعد النظام الرأسمالي متوحشاً كما كان يصفه عدد من المنظرين الاشتراكيين، بل هناك أليات وأدوات تحد من ذلك التوحش وتؤكد على أهمية بذل الأموال من أجل الارتقاء بنوعية الحياة وتحسين معيشة أصحاب الدخول المحدودة والمتواضعة وتوفير الرعاية الصحية وتوفير التعليم المجاني لكافة المواطنين.

 

إرساء الاقتصاد الحر:

كيف يمكن أن يؤسس نظام اقتصاد حر عصري في البلدان العربية؟ كما سبق الإشارة فإن البلدان العربية انتقلت على مدى السبعين عاماً الماضية من اقتصاد حر بسيط أو متواضع إلى اقتصادات شمولية أو اقتصادات ريعية اعتماداً على مستويات الثروة وتوفر الموارد الطبيعة لديها. لم تعتمد هذه الاقتصادات حتى الآن على العلم والمعرفة وما يطلق عليه باقتصاد المعرفة كما حصل في سنغافورة وتايوان أو كوريا الجنوبية، وقبل ذلك اليابان. الاقتصادات الشمولية وتلك الريعية أفسدت الحياة السياسية وعطلت التنمية الاقتصادية وعطلت التطور التعليمي. لاحظنا على مدى العقود والسنوات الماضية تخرج أعداد كبيرة من الجامعات ومعاهد التعليم العليا وتدفق عدد كبير إلى أسواق العمل ولكن لم نشهد مبادرات متميزة من هؤلاء الخرجين لتطوير صناعات تحويلية متميزة وتملك ميزات نسبية. ظلت الموارد الطبيعية تستثمر بأساليب تقليدية واعتمدت في البدايات على شركات أجنبية متخصصة، مثل شركات النفط العالمية، ولكن بعد التأميم في أواسط السبعينات وتولي ادارات وطنية لتلك الشركات النفطية العاملة في الحقول العربية تفاقمت أعداد العاملين وتدنت الإنتاجية، فيما عدا شركة أرامكو حيث احتفظت بعلاقات متميزة مع الشركات الأجنبية ووظفت اساليب انتاج وإدارة عصرية. الدول العربية الأخرى غير النفطية لم تسعى للارتقاء بالأوضاع الانتاجية في صناعات القطاعات الاقتصادية مثل صناعة النسيج أو الحديد والصلب والصناعات الغذائية. كل هذه الحقائق تؤكد أهمية الانطلاق نحو مشاريع اقتصادية تعتمد أساليب الاقتصاد الحر وتوظف الأموال في مجالات مفيدة وقادرة على تحقيق قيم مضافة.

يتعين صياغة منظومة قوانين للحياة الاقتصادية تؤكد على أهمية الاقتصاد الحر وتوفر الحماية لحقوق المستثمرين ورجال الأعمال وتشجع على جذب الأموال الأجنبية وشراكة الشركات العالمية المتخصصة في أنشطة متنوعة وتملك تقنيات حديثة. العمل الاقتصادي الحر في عالمنا اليوم لا يعني استعباد العاملين أو استغلالهم أو التربح غير المشروع على حساب المستهلكين. لذلك فإن القوانين الاقتصادية لابد أن تأخذ بنظر الاعتبار حقوق العاملين وتوفير الرعاية الصحية لهم وتعزيز التدريب والتأهيل أثناء العمل وضمان حقوق التأمين الاجتماعي والتقاعد المريح. غني عن البيان أن حقوق الدولة يجب أن تتأكد من خلال أنظمة الضرائب العادلة التي لا تبخس الدولة حقوقها ولا تؤدي إلى خلق بنية اقتصادية طاردة تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال أو إفلاس الشركات. وكما سبق التأكيد عليه فإن الاقتصاد الحر يعني المنافسة بين الشركات في النشاط الواحد وتوفير الأليات المناسبة لتعزيز المنافسة والتي تخدم أهدافاً عديدة منها تمكين الشركات ذاتها من تطوير ألياتها وأدواتها ومنتجاتها نوعياً. السيطرة على التكاليف والسعي للارتقاء بمؤهلات العاملين وتطوير القدرات التسويقية محلياً وخارجياً. أهم من ذلك الاقتصاد الحر يعني الاستثمار في البحوث والدراسات التي تسهم في تحسين القدرات الإنتاجية وأعمال الابتكار والإبداع، كما نلحظ الآن في مجالات وأنشطة عديدة أهمها الاتصالات والإعلام.

هل سيتهيأ للبلدان العربية إمكانيات لتطوير نظام الاقتصاد الحر على مدى السنوات القادمة، كما حدث في العديد من البلدان الأسيوية الناهضة مثل كوريا الجنوبية وتايوان وتايلند؟ هناك أهمية لإحداث متغيرات ثقافية وتعليمية وإصلاح البناء الهيكلي لكل اقتصاد عربي. في ذات الوقت تظل أهمية التخصيص ونقل الملكية من القطاع الخاص ضرورية وتتطلب إرادة سياسية واعية. المكتسبات الشعبية والتي تمثلت بحقوق التعليم المجاني وتوفير الرعاية الصحية بدرجة ملائمة وتوفير الضمانات الاجتماعية وحقوق التقاعد يجب أن تتوفر لها الحماية والمشروعية القانونية حتى لو تم التحرر من دور الدولة في الحياة الاقتصادية. الدولة عليها أن تنقل كافة الأنشطة التي يمكن للمبادرة الفردية والقطاع الخاص توليها وتحمل مخاطرها وهذه تشمل أعمال التجارة والتوزيع السلعي والصناعات التحويلية والأنشطة المتعلقة بالبترول والغاز، فيما عدا احتكار الدولة للثروات الطبيعية ومنها النفط والغاز ولكن ليس الإنتاج والتوزيع والتصدير والتكرير والبتروكيماويات. كما أن القطاع الخاص يجب أن يتولى كافة أنشطة النقل العام البري والبحري والجوي وضمان النوعية المتميزة المضاهية لأفضل أنظمة النقل في العالم والمتكيفة مع أحدث التقنيات. يضاف إلى ذلك نقل إدارة المنشآت العمومية ذات الصلة بالبنية التحتية والمرافق مثل الموانئ والمطارات وإنتاج وتوزيع الكهرباء والمياه وأنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية. هذه الأنشطة قد تتطلب رؤوس أموال كبيرة لا يملكها القطاع الخاص الوطني في أي من البلدان العربية بما يعني الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وتشجيع الشركات العالمية للدخول في شراكات مع المؤسسات الوطنية.

تطوير نظام الاقتصاد الحر في أي بلد عربي يتطلب معالجات هامة للأليات والأدوات التي تحكم العمل الاقتصادي. هناك أهمية لتعزيز الأنظمة المالية والمصرفية وتمكينها للتكيف مع المتطلبات المعيارية الدولية مثل أنظمة بازل للكفاية الرأسمالية ونظم الشفافية. هذه المؤسسات المالية يجب أن تكون ذات أحجام من الأصول وقواعد رأس المال تمكنها من الانكشاف بمخاطر معلومة أمام المقترضين. الأعمال والأنشطة تتطلب تمويلات مستمرة وبآجال مختلفة حسب طبيعة تلك الأعمال. لكن من أهم المتغيرات المطلوبة هو تمكين النظام المصرفي من أن يكون ماكنة التمويل لكافة الأعمال والأنشطة بدلاً من الاعتماد على أليات الانفاق العام. هذا النظام يمكن، أيضا، أن يمول أعمال الحكومات في فترات مختلفة خصوصاً عندما تتراجع الإيرادات ويصبح على الحكومات الاعتماد على تمويل العجز. النظام المالي يتعين على إداراته توفير الإيرادات اللازمة من خلال الأنشطة التقليدية مثل عمليات الإقراض أو الاستثمار في الأدوات المالية المسعرة، المحلية والدولية. يضاف إلى ذلك أن النظام المصرفي لابد أن يقاد من قبل بنوك مركزية واعية لأهمية الاستقرار النقدي باتباع سياسات نقدية حذرة تتوافق مع متغيرات السياسة النقدية لدى البنوك المركزية الرئيسية في العالم مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوربي وبنك إنجلترا وبنك اليابان. أيضا، هناك أهمية لقدرة هذا النظام على الحفاظ على الموارد المالية بالعملات الصعبة التي تكفي لحماية سعر صرف العملة الوطنية.

من جانب آخر الأعمال الاقتصادية التي يمكن أن تصبح ذات أهمية في الدول العربية يجب أن تعتمد على ميزاتها النسبية وتوافقها مع معطيات الاقتصادات الوطنية. لا يجب الاستثمار في مشاريع أو أعمال تفتقر للحدود الدنيا من الجدوى الاقتصادية والتي قد تؤدي إلى إفلاس أصحابها وتسريح عمالتها. ويمكن أن تعتمد الحكومات على برامج لتطوير الأعمال وحضانة المشاريع الصغيرة والمتوسطة بما يعزز قدرات القائمين على هذه المشاريع. البرامج متاحة للتعلم من دروس وتجارب البلدان المتقدمة والناشئة والتي ترتقي بمستويات الإدارة وأعمال التمويل والتعامل مع أليات التوزيع والتصدير. لم يعد العمل الاقتصادي هواية أو تجربة بسيطة حيث أن المنافسة الآن تتخطى الحدود الجغرافية وتعتمد على علاقات عابرة للحدود. لاشك أن الجامعات المرموقة طورت برامج إدارة الأعمال بشكل جيد ويمكن الاستفادة من هذه التجارب إذا قررت الحكومات العربية أن تقيم اقتصادات حرة قادرة على الاستمرار والعطاء. أهمية ربط نجاح الأعمال بالتدريب المهني والتأهيل التعليمي، أيضا، من الأمور الرئيسية في العمل الاقتصادي المعاصر. وكما هو معلوم أن العمالة في مختلف البلدان العربية لازالت بعيدة عن التأهيل المناسب في الكثير من حقول الأعمال، في الزراعة والصناعات التحويلية والنفط والخدمات. إذاً لابد من التعامل مع هذه المسائل بكفاءة والاستفادة من البرامج المتاحة في المؤسسات والمعاهد التعليمية وتبني برامج تأهيل مهني متميزة لكي يمكن أن تصبح الأعمال مجالاً جيداً لصناعة الثروة.

 

 

 

 

ب- اقتصاد السوق الاشتراكية

3- الدكتور أناستاس أنجيلي - ألبانيا

الاقتصاد الاجتماعي ودوره المُطَمْئِنْ في تنمية السوق

          الملخص

هل يتقدم الاقتصاد من خلال الأنانية الفردية للإنسان بهدف تحقيق أقصى قدر من الربح، أم من خلال خلق ظروف تضمن الرفاهية الجماعية؟ بغض النظر عن العناصر البيئية التي تؤثر على الجميع ويقبلونها كحاجة جماعية، فإن العلاقة بين الثروة الفردية والرفاهية الجماعية هي واحدة من أكثر المشاكل النظرية إثارة للجدل في الفكر الاقتصادي. سوف نحاول من خلال هذه الورقة البحثية أن نجيب على السؤال التالي: هل صحيح أنه يمكننا ضمان تحقيق التنمية فقط من خلال تعظيم الربح؟ هل صحيح أنه من خلال ضمان الرفاهية، نضمن السعادة؟ هل هو فقط مؤشر النمو الاقتصادي الذي ينبغي أخذه في الاعتبار لتقييم التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمجتمع أو بلد ما؟ أم أنه ينبغي علينا أيضًا تحليل المؤشرات والعناصر الأخرى للتنمية الاقتصادية والوجود الاجتماعي مثل: مؤشر مستوى الرفاهية والسعادة، والتنمية الاقتصادية للاقتصاد البيئي، والاقتصاد الأزرق، والاقتصاد الدائري، والصحة، ومتوسط العمر المتوقع للأفراد، ومستوى التعليم، ومستوى التطور التكنولوجي، والحقوق والحريات السياسية، وتطوير الرقمنة، والثقافة، والفكر، وما إلى ذلك؟

لقد تزايد اهتمام الباحثين، وصانعي السياسات، والأفراد خلال العشرين عامًا الأخيرة بالإمكانات الاقتصادية، خاصة تلك التي تتمتع بها المنظمات والشركات التي لا تهدف إلى الربح كهدف رئيسي لها، ولكنها تستجيب لاحتياجات مجموعة أو مجتمع بعينه، ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن هذه المنظمات ساهمت في تحقيق نمو أسرع وأكثر استدامة لصالح التوظيف، ومعالجة المشاكل الاجتماعية المختلفة بشكل فعال، حيث أسهمت في خفض مستويات التفاوت وعدم المساواة، والبطالة، والفقر، والتمييز الاجتماعي، وبالتالي ارتفع معدل الوعي بإعادة تقييم دور هذه المنظمات، مع الأخذ في الاعتبار أنها تمثل في الوقت نفسه نظامًا اجتماعيًّا مؤسسيًّا وتنظيمًا فعالًا على طريق تحقيق التنمية المستدامة التي تقلل بدورها مستويات الظلم وعدم المساواة.

لقد أصبحت البشرية على نحو متزايد تؤمن بأن النجاح الاقتصادي يجب أن يُقاس من خلال مستوى سعادة الأفراد في بلد ما، كما أن هناك إجماعًا متزايدًا حول كيفية قياس تلك السعادة، ويعني هذا الإجماع في جوهره أن السعادة الوطنية من الممكن أن تصبح الآن هدفاً تنفيذياً أو عمليًّا للحكومات وأن تتجسد في مؤشر يطلق عليه الكثيرون "مؤشر السعادة".

ونهدف من خلال هذه الورقة البحثية إلى تسليط الضوء على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يتم تنفيذها، خاصة في مرحلة ما بعد الأزمة المالية عام 2008، وجائحة كورونا، والصراعات العسكرية المستمرة حاليًا، مثل الصراع الروسي الأوكراني، والصراع القائم حاليًّا بين إسرائيل وحماس، وغيرها من الصراعات والنزاعات المسلحة الأخرى. سوف يتم تحليل هذه القضايا نظريًا وتحليليًا (مع تقديم معلومات حول التطورات في ألبانيا) من خلال هذه الورقة البحثية، إضافة إلى النظر في سياق اقتصاد السعادة، والنظر في ظروف السوق ومدى تأثير ذلك على حياة أكثر سلامًا، وسوف يتم ذلك من خلال تحليل وتقييم بعض المؤشرات الرئيسية، والتي بدأت الآن تأخذها بعين الاعتبار العديد من الدول المتقدمة، مثل: لا للفقر، القضاء على الجوع؛ الصحة الجيدة والرفاهية؛ تعليم ذو جودة؛ المساواة بين الجنسين؛ المياه النظيفة والخدمات الصحية؛ طاقة نظيفة وبأسعار معقولة؛ العمل اللائق والنمو الاقتصادي؛ الصناعة والابتكار والبنية التحتية؛ الحد من عدم المساواة والظلم؛ المدن والمجتمعات المستدامة؛ الاستهلاك والإنتاج المسؤولان؛ العمل المناخي؛ الحياة تحت الماء؛ الحياة على الأرض؛ السلام والعدالة، مؤسسات قوية؛ شراكات من أجل الأهداف؛ إلخ.

الكلمات المفتاحية: الاقتصاد الاجتماعي، الرفاه الجماعي، القطاع غير الربحي، مؤشرات التنمية الاجتماعية، مؤشر السعادة، تعظيم الربح، النماذج الاقتصادية، إلخ.

 

      I.            مقدمة

ينطوي تقييم الوضع الاقتصادي والاجتماعي لبلد ما في العصر الحالي على مجموعة موسعة من العوامل والمؤشرات الاقتصادية الجديدة، أما في السابق، فقد كانت المقاييس التقليدية الأخرى مثل حجم الناتج المحلي الإجمالي ومعدل التضخم وتغطية السوق هي المقاييس الأساسية لقياس مستوى التنمية الاقتصادية؛ حيث اعتمدت الحكومات والمنظمات الدولية تاريخياً على هذه المؤشرات، لكن المشهد بدأ يتطور وبدأت تظهر مؤشرات تكميلية لتقييم الرفاهية والرضا عن الحياة في المدن وغيرها من المقاييس غير المباشرة للسعادة، ولا يتعلق الأمر بالتحليل النظري للأنظمة الاقتصادية فحسب، بل يتعلق أيضًا بتطوير المفاهيم النظرية والآليات العملية لهذه العناصر. يُعَد اقتصاد الرفاهية أحد المجالات الجديدة نسبيًا في العلوم الاقتصادية التي تجسد هذا التوجه. في هذا المجال من البحث، يبني معظم المؤلفين شكلاً جديدًا للحكم على عمل النظام الاقتصادي وتقييمه، بعيدًا عن المفاهيم الماركسية المتعلقة بـ "الاشتراكية العلمية" حيث كان الرفاه للجميع هو الهدف الرئيسي للنظام، وقد انقسم هؤلاء المؤلفون إلى مجموعتين؛ تعتقد المجموعة الرئيسية أو الأولى أن الرفاه العام ينتقل بالضرورة من فردية الإنسان وحريته في السوق، بينما تحاول المجموعة الأخرى أن تجادل بأن تعميق عدم المساواة يساهم في تدمير الأساس الاجتماعي لوجود المجتمع وهو العامل الرئيسي في تغيير الأنظمة. في حين أن التركيز حصرًا على الجوانب الاقتصادية - مثل نمو الدخل والناتج المحلي الإجمالي - يبسط تحليل التنمية والمقارنات الدولية، إلا أنه لا يقدم تقييمًا شاملاً، ولقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الناتج المحلي الإجمالي ومستوى الرضا الفردي في السوق الحرة غالبًا ما يكونان في تناقض واضح.

أصبح مستوى عدم المساواة خلال السنوات الثلاثين الماضية يمثل مشكلة حتى في الدول الشرقية في أعقاب العديد من التحولات التي حدثت بعد سقوط جدار برلين، وخاصة عدم المساواة التي نشأت بوتيرة سريعة للغاية، وبالطبع لم تسلم ألبانيا من هذه الآفات ولا تزال مستويات عدم المساواة بين الناس يثير قلقها، حتى على الرغم من أن الاقتصاد الألباني قد أكمل فترة الانتقال الطويلة والصعبة والشاقة. وهنا لابد لي أيضًا أن أسلط الضوء على التفسير الخاطئ الذي يحدث غالبًا بين نجاح أو فشل النظام الاقتصادي الذي اخترناه وبين النموذج والبرامج والمشاريع والأولويات الاقتصادية التي نفذتها الحكومات، ويرجع ذلك إلى أن الاقتصاد الألباني تمكن خلال هذه السنوات الثلاثين من الإطاحة بالنموذج الاقتصادي الشيوعي، وقرر تطبيق اقتصاد السوق الرأسمالي (بغض النظر عن الجودة أو المعايير المحققة)، ومما لا شك فيه أن مستوى تطور هذا الاقتصاد، ومعاييره وتطوراته الكمية والنوعية، والمرحلة (غير المرضية) التي وصل إليها حتى الآن في عملية الاندماج مع الاقتصاد الأوروبي لا تزال تترك الكثير مما يتعين القيام به، لذلك، تصبح الحاجة إلى النموذج الجديد للتنمية الاقتصادية في مرحلة ما بعد الانتقال أكثر من ضرورية. كما لاحظ العالم البارز الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيجليتز: "يمثل الانتقال من الشيوعية إلى اقتصاد السوق أحد أهم التجارب على الإطلاق..."

 

   II.            الإنجازات النظرية في تحليل المشكلات

تزايد اهتمام الباحثين وواضعي السياسات والأفراد ذوي الإمكانات الاقتصادية خلال السنوات العشرين الماضية بالمنظمات والشركات التي لا تجعل من الربح هدفًا رئيسيًّا لها، بل تلك التي تستجيب أيضًا لاحتياجات المجموعة أو المجتمع، وأصبح من الواضح بصورة متزايدة منذ الربع الأخير من القرن العشرين أن هذه المنظمات ساهمت قبل كل شيء في تحقيق نمو أسرع وأكثر استدامة لصالح التوظيف، وتعاملت بشكل فعال مع مختلف القضايا الاجتماعية، وساهمت في الحد من مستويات عدم المساواة والبطالة والفقر والتمييز الاجتماعي، وبهذه الطريقة، زاد الوعي في إعادة تقييم دور هذه المنظمات، مع الاعتراف بأنهم يمثلون نظامًا مؤسسيًا اجتماعيًا ومنظمة فعالة للتنمية المستدامة تقلل من عدم المساواة.

كما يتأكد الاهتمام المتزايد بـ "منظمات الاقتصاد الاجتماعي" أيضًا من خلال الاهتمام الذي أولته المفوضية الأوروبية لدراسة هذه المنظمات من حيث الجوانب القانونية وحجمها وتطورها؛ وتختلف حدود هذا المفهوم اعتمادًا على السياقات القانونية والثقافات الاجتماعية لمختلف البلدان، كما يمكن مقارنتها في العديد من البلدان اليوم من الناحيتين الاقتصادية والقانونية. يشمل هذا المفهوم في بعض البلدان فقط المنظمات التي، وفقًا للقانون أو التقاليد، لا توزع الأرباح على أصحابها، بينما يتم تضمين التعاونيات أيضًا في بعض البلدان الأخرى، ويجب ألا ننسى أنه في بعض الحالات الأخرى، هناك ميل إلى تضمين الأشكال التقليدية لريادة الأعمال التي تضطلع طواعية ببعض المسؤوليات الاجتماعية (منظمة العمل الدولية، 2017). لذلك، فإن المصطلحات المستخدمة لتحديد هذا القطاع في كل من الأدبيات العلمية والأحكام التشريعية، هي: القطاع غير الربحي، القطاع الاجتماعي الثالث، الاقتصاد الاجتماعي، الاقتصاد الاجتماعي والتضامن، إلخ، وتستخدم كل هذه المصطلحات كمرادفات لمختلف المجموعات التنظيمية التي تهدف إلى النمو الاجتماعي وليس إلى النمو الاقتصادي فحسب.

من البساطة المبالغ فيها والمقيدة مقارنة التصنيع بالتنمية، وهو الرأي الذي كان سائدًا في نموذج لويس  الاقتصادي. وبالمثل، فإن ربط نمو الناتج المحلي الإجمالي فقط بمعدل الادخار وعلاقة رأس المال بالإنتاج، كما تم تحليله على نطاق واسع في نموذج هارود- دومار الاقتصادي، يعتبر تصورًا غير مكتمل. إن فكرة التنمية كسلسلة من المراحل التي يجب على كل بلد اجتيازها، كما وصفها A.C. Pigou في نموذجه، محدودة بنفس القدر. في حين أن هذه النماذج بمثابة نقاط مرجعية لمقارنة النمو الاقتصادي بين البلدان، إلا أنها لا تفي بالغرض عندما يكون الهدف هو فهم شامل للتنمية البشرية.

ساعد التناقض الفلسفي بين الرفاه الجماعي والمنفعة الفردية، المتجذر في المبادئ الأفلاطونية والأرسطية، بشكل شخصي في استيعاب نظريات المساواة الاجتماعية التي اقترحها الهندي أمارتيا سين الحائز على جائزة نوبل. فمن وجهة نظري، يقدم سين التحليل الأكثر تنظيماً للرفاه الجماعي على أساس مفاهيم المساواة الاقتصادية والاجتماعية. يؤكد سين، في حجة عرضها بدقة، أن المساواة الاقتصادية لا تترجم تلقائيًا إلى مساواة اجتماعية، ويوضح هذه النقطة بمثال مباشر: شخصان يتمتعان بدخل متساوٍ، حيث يتمتع أحدهما بصحة جيدة بينما يكون الآخر مريضًا، يتمتعان بالمساواة الاقتصادية، ولكن ليس المساواة الاجتماعية. هذا المثال البسيط والعميق، الذي يذكرنا بتعاليم أفلاطون، يتحدى الفهم التقليدي للمساواة في الفكر الاقتصادي المعاصر، ويدفع إلى التحول نحو دراسة أكثر دقة للأبعاد المتعددة الأوجه للمساواة داخل المجتمع.

يعتقد الكثيرون أن الاقتصاديين يرون ويحللون الأرقام والمؤشرات فقط، ولكن في الواقع، هناك عدد متزايد من الفلاسفة الاقتصاديين الذين يركزون على رفاهية الإنسان وليس على مؤشرات النمو الاقتصادي فحسب. إذا وضعنا "الإنسان الاقتصادي" (كوهين دانيال 2012) في قلب النظام الاقتصادي، فإننا نعترف بذلك أن المنافسة هي أساس التنمية، وأن التنمية ستؤدي حتمًا في نهاية المطاف إلى عدم المساواة. ومع ذلك، فإن تعظيم الربح في هذا النظام الاقتصادي لم يكن دائمًا ذا فائدة في تحقيق التنمية الاجتماعية للمجتمع، بل وأصبح عاملاً في إعادة هيكلته المؤلمة، وأصبح التعامل مع عدم المساواة في كثير من الأحيان أصعب من التعامل مع الفقر، وفي كثير من الحالات، يهلك الأفراد نتيجة لنقص الدخل وليس نتيجة لنقص الغذاء. ويسلط هذا المفهوم نفسه الضوء على المساواة المحمية، الذي شرحه ببلاغة شديدة أمارتيا سين؛ فهو يبني تحليله لمشكلة عدم المساواة على أساس مفهومين.

يستند المفهوم الأول للمساواة إلى احتياجات مثل الحاجة إلى الغذاء، والحاجة إلى نظام صحي فعال، والحق في التعليم، وما إلى ذلك، وهو ما يشار إليه بـ "الاحتياجات الوظيفية". أما المفهوم الثاني وربما الأكثر أهمية هو مفهوم "قدرة الاحتياجات" الذي يمثل القدرة التي تتمتع بها الدولة والتي تقدمها للسكان لاستخدام الوظائف (العناصر التي تلبي الاحتياجات الوظيفية). لذلك، إذا كانت الاحتياجات الشخصية هي من تظهر أو توضح لنا كيف نعيش، فإن القدرات هي التي تضمن لنا الفرصة لاختيار العيش بشكل جيد. يستجيب حق الاختيار على وجه التحديد لمختلف مفاهيم الاحتياجات حيث أن المساواة ليست شيئًا يتم تحديده من الأعلى، ولكنها تستفيد من القدرة على اختيار قدرات الاحتياجات بحرية. لقد أعطت الحق للأفراد في اختيار قدرات الاحتياجات التي تعطي قيمة للمساواة في مفهومهم الفردي. إن حق الاختيار هذا هو بالضبط حق كل فرد في استخدام القدرات التي توفرها الدولة، مما يجعله متساويًا في المجتمع. بالنسبة لي، هو المفهوم الأكثر ثورية وحداثة للمساواة.

رافق هذا المفهوم تمييز مهم ومفهوم آخر، هو مفهوم النمو والتنمية. في حين أن الكيانات المختلفة، مثل الأشجار والحيوانات ودرجات الحرارة والناتج المحلي الإجمالي، تظهر نموًا، يُقال إن الأفراد والمجتمعات هم فقط من يخضعون حقًا للتنمية. يدفع هذا التحول إلى إعادة تقييم مفهوم النمو الاقتصادي، مع زيادة التركيز على التنمية الاقتصادية والرفاه المجتمعي، كما أوضح AC Pigou في كتابه "اقتصاديات الرفاهية"؛ حيث يتحول التركيز من مجرد النمو إلى رفاهية الأفراد.

واستمرارًا للأفكار التي ذُكرت أعلاه، من الضروري توضيح كيف يمكن للمؤسسات الاقتصادية المعاصرة أن تتدخل لصالح الأفراد ضمن النظام الاجتماعي. لقد حاول العديد من المؤلفين، من خلال النظريات الأساسية لاقتصاديات الرفاهية، فهم كيف يمكن لسلوك السوق والدولة أن يجعل من الممكن إرضاء فردية رأس المال بشكل مقبول والاحتياجات المسبقة للمجتمع الذي يعمل فيه. في الواقع، يصبح من الممكن، استنادًا إلى فرضيات نظريات باريتو، تصور وجود صلة وظيفية بين مخرجات آليات السوق والرغبات الاجتماعية الضرورية من أجل التخصيص السليم أو التوزيع الصحيح لموارد الإنتاج وعوامل الاستهلاك. في ضوء ما سبق، يصبح من الواضح أنه ليس من الممكن تحليل مفهوم الكفاءة والتنافسية بشكل منفصل عن مفهوم المساواة، وعلاوة على ذلك، من المستحيل الحصول على نظام اجتماعي يعتمد فقط على القوة الدافعة للمنافسة. تشير الرفاهية الاجتماعية إلى رفاهية المجتمع بأكمله. اقترح فيلفريدو باريتو، في أعماله مثل "Fatti e teorie" و "Trasformazione della democrazia"، طريقتين لقياس رفاهية السكان؛ أولهما الطريقة الترتيبية التي تحلل تأثيرات العوامل على توزيع الموارد، لتقيس بذلك مستوى الكفاءة بناءً على النتائج الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، تقيس الطريقة الأولية/الأساسية القيمة من الناحية النقدية، وتتضمن تحليلًا للتكلفة والعائد يأخذ في الاعتبار آثار توزيع الدخل. بالنسبة إلى المنظور الترتيبي الذي يعتمد على الكفاءة، فإنه يعترف بالتحديات المتعلقة بقياس الرفاهية بموضوعية من الناحية النقدية، وبالتالي يعتبر هذا المنظور أنه من المستحيل القيام بقياس موضوعي من الناحية النقدية، ولهذا السبب، يقترح تحليل باريتو من حيث الكفاءة. أما من وجهة النظر الأولية أو الأساسية، فإن التحليل المستخدم هو تحليل التكلفة والفائدة، والذي يسعى إلى تضمين آثار توزيع الدخل. ومع ذلك، فإن هذا الأخير أقل استخدامًا، نظرًا للمشكلات التي يطرحها النموذج في إضافة المتغيرات مما يعني درجة عالية من عدم الدقة في الحساب، مما يخلق حول ذلك العديد من الشكوك. بالنظر إلى التحول الرقمي، لم يلاحظ كلًا من سعيد إلياس دولباني وأشفاق سيد التغييرات المفاهيمية أو تغييرات نمط الحياة بين جيل الشباب فحسب، ولكن أيضًا إعادة تقييم المواقف الاجتماعية ضمن نظام قِيَم جديد.

 

III.            المنهجية والسؤال البحثي

إذا اعتبرنا أن كل ظاهرة اقتصادية يمكن قياسها، بغض النظر عن نسبة الفعالية والتكلفة، فإنه سيصبح حينئذٍ من الضروري استخدام المؤشرات الاقتصادية لتحليل الرفاه الاجتماعي وظواهر عدم المساواة. وقد اعترفت المؤسسات الدولية بالعديد من المؤشرات الحاسمة. بالإضافة إلى ذلك، تظهر مؤشرات جديدة في كثير من الأحيان في الدراسات الاستقصائية المختلفة التي تقيم وتقيس نوعية الحياة في المدن، والمساواة بين الجنسين، وقياس حقوق الإنسان في مجالات مثل الصحة والتعليم، وأكثر من ذلك. ومن الناحية المنهجية، يرتكز هذا الجانب على المؤشرات الحالية، والتي ستستمر في التطور بمرور الوقت.

يتفق جميع العلماء على شيء واحد يؤكد على أن: الناتج المحلي الإجمالي ليس مؤشراً كافياً لتحديد التنمية الاقتصادية، كما أن هناك إجماع متزايد على ضرورة وجود مؤشرات بديلة، ويرجع ذلك إلى أن النمو الاقتصادي باعتباره مقياسًا قائمًا بذاته، يفشل في استيعاب جميع جوانب التقدم. وبالتالي، لم يعد بإمكاننا النظر إلى الناتج المحلي الإجمالي على أنه المؤشر الوحيد للتنمية. أما التحدي الكبير الآخر فيتمثل في أن الناتج المحلي الإجمالي لا يشمل العوامل الأساسية لقياس "السعادة الاقتصادية" لأن هذه الجوانب لا يمكن قياسها بسهولة من ناحية المصطلحات الاقتصادية. علاوة على ذلك، من الأهمية بمكان ملاحظة أن الناتج المحلي الإجمالي لا يعكس توزيع السلع المادية داخل المجتمع، حتى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يقصر في توفير هذا المقياس، لأنه ببساطة يقسم الناتج المحلي الإجمالي على السكان دون تقديم صورة تمثيلية حقيقية.

وبما أن الناتج المحلي الإجمالي لا يعد مقياسًا جيدًا للتنمية، ناهيك عن التنمية المستدامة، فلابد من البحث عن مؤشرات بديلة أخرى، وقد تم تطوير العديد من المؤشرات التي تهدف إلى تحسين تقييم رفاهية المجتمع في السنوات الأخيرة، وربما يكون مؤشر التنمية البشرية (HDI) هو أشهرها على الإطلاق، والذي أصبح مقبولًا الآن كبروتوكول حساب من قبل العديد من دول العالم. بالإضافة إلى ذلك، هناك مؤشرات للمستوى البيئي مثل "مؤشر النمو الأخضر، ISEW - "مؤشر الرفاهية الاقتصادية المستدامة "، GPI - " مؤشر التقدم الحقيقي "، إلخ.

اليوم، أود أن أتطرق لفترة أطول قليلاً إلى مؤشر أدرجه المعهد الوطني للإحصاء في إيطاليا (ISTAT) في عام 2010 من بين المؤشرات القابلة للقياس للتنمية المستدامة، وهو مؤشر BES (Benessere Equo e Sostenibile)، والذي يمكن البدء في تطبيقه في ألبانيا من خلال بناء برامج مشتركة مع مديرية الإحصاءات الإيطالية؛ وينطبق الشيء نفسه على العديد من المؤشرات الأخرى. يضم هذا المؤشر 130 مؤشرًا فرعيًّا على المستوى الوطني تتضمن 12 بُعدًا (مجالًا) مختلفًا. وبشكل أكثر تحديدًا، تشمل هذه المجالات قطاعات الصحة، والتعليم والتدريب، والعمل ونسبة وقت العمل إلى وقت الفراغ، والرفاهية الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وسياسة المؤسسات العامة، والسلامة، والرعاية الذاتية، والمناظر الطبيعية والتراث الثقافي، والبيئة، والبحث والابتكار، وجودة الخدمات.

إن الجمع بين المؤشرات، وفقًا للمجالات ذات الصلة ووفقًا للطرق التي يتبعها كل مؤشر، جعل هذا المؤشر ذا قدر كبير من الأهمية ليس فقط لتقييم الوضع الحالي لرفاهية السكان، ولكن أيضًا لبناء سياسات اجتماعية لدعم شرائح محددة من السكان.

 

IV.            الأعمال الاجتماعية في ألبانيا

بالنسبة إلى ألبانيا، على الرغم من وجود تقارب بين التشريعات الوطنية والتشريعات الأوروبية، إلا أنه لا يوجد تصنيف أو تقسيم واضح للمؤسسات التجارية ذات الطابع الاجتماعي، مما يجعل من المستحيل تقريبًا تحديد عدد الشركات الاجتماعية التي تعمل بهذه الخصائص بشكل دقيق؛ حيث يمكن أن تتخذ الشركات الاجتماعية في ألبانيا أشكالًا قانونية مختلفة، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والشركات التجارية وجمعيات التعاون الزراعي، أو حتى شركات الادخار والائتمان المتخصصة في الأنشطة المالية، إلخ.

وفقًا للتشريعات المحلية والممارسات الألبانية، ترتبط المؤسسات الاجتماعية بإعادة تأهيل العمالة للفئات المهمشة أو تقديم الخدمات لهذه الفئات؛ حيث يمكن للمنظمات غير الحكومية تطوير نشاط اقتصادي خاص بها، طالما أن معدل دخلها لا يتجاوز 20 ٪ من إجمالي الدخل، والذي يأتي عادة من التبرعات، مما يسمح للمنظمات غير الحكومية بعدم الاعتماد بشكل كامل على أموال المانحين ولكن أن تكون قادرة على توفير الدخل بنفسها، من خلال تقديم الخدمات أو غيرها من أشكال الأنشطة، أما إذا تجاوز الدخل من النشاط الاقتصادي حد 20 ٪، فيجب تسجيل المنظمة غير الحكومية كشركة تجارية.

تواجه الشركات الاجتماعية في ألبانيا القيود نفسها التي تفرضها السوق الصغيرة على التنمية الاقتصادية. ونتيجة لذلك، فإن الحقيقة التي تفيد بأن التدخلات من خلال الشركات الاجتماعية يمكن أن تكون أكثر تركيزًا ودقة يعتبر سمة إيجابية في هذا الأمر، لكن إمكانية التمويل وتجاوز الحواجز التشريعية والتغلب عليها غالبًا ما تعوق تطوير هذا النوع من الأعمال. وهذا يفسر أيضًا حقيقة أن الأعمال الاجتماعية تواجه صعوبة في التطور، خاصة في المناطق الجبلية والمناطق الأخرى المحاذية للحدود في البلاد حيث تشتد الحاجة إلى الأعمال الاجتماعية في تلك المناطق، لكنها في معظم الحالات تعمل في العاصمة لتكون نموذجًا للمناطق الجبلية، لكنها لا تصل إلى هناك أبدًا. نسلط الضوء هنا على بعض الحالات الناجحة التي حققتها المؤسسات الدينية لمختلف الأديان في ألبانيا.

أحد المشاكل الأساسية التي تواجه الأعمال التجارية الاجتماعية في ألبانيا لا يتمثل فقط في عملية إنشائها، ولكن أيضًا في استمرارية تمويلها لفترة طويلة نسبيًّا.

وفقًا لدراسة أجريت عام 2019 من قبل الشركاء العاملين في ألبانيا بتمويل من الاتحاد الأوروبي، كان هناك 319 منظمة غير ربحية حاصلة على ترخيص لتقديم الخدمات التعليمية والاجتماعية على حدٍّ سواء؛ وهنا تسلط الدراسة الضوء على أن هناك عددٌ متزايدٌ من المنظمات غير الحكومية التي يمكن القول إنها تقدم خدمات مدفوعة الأجر من أجل حصولها على الدخل الذي يدعم نشاطها ويُمَكِّن من استمرارها، ويشمل نوع الخدمات المدفوعة العديد من الخدمات الاجتماعية، والخدمات الطبية، وخدمات التدريب والاستشارات، والخدمات المتعلقة ببيع الأصول وما إلى ذلك.

كان الأساس الذي قام عليه الاقتصاد الألباني عند بناءه يقوم على التركيز على قطاعي الخدمات والزراعة، اللذان يشكلان حوالي 60% من القوى العاملة في المجتمع الألباني، بينما شهد قطاع السياحة في ألبانيا خلال الفترة الأخيرة تطورًا كبيرًا، إلا أن مسألة التوظيف في هذا القطاع الهام لا تزال تمثل مشكلة سواء للطابع الموسمي الذي يتسم به هذا القطاع أو بالنسبة إلى التخصصات المطلوبة، لذا يمكن القول إن الأعمال الاجتماعية في ألبانيا تقتصر بصورة أساسية على مجالي الخدمات والزراعة، إلا أنه هناك حالات أيضًا لإنشاء تعاونيات حرفية واتحادات إنتاج حرفي وما إلى ذلك.

تعتبر جمعيات التعاون المتبادل أحد أشكال الأعمال الاجتماعية للقطاع الزراعي، وهي جمعيات تشبه التعاونيات الزراعية، ولكنها من الناحية النظرية يمكن أن تعمل أيضًا في قطاعات اقتصادية أخرى، وقد حددت الدراسة 106 من هذه الجمعيات، لكن 67 منها فقط كان لها وضع نشط.

أما شركات الادخار والائتمان (SCC) فهي نموذج آخر من نماذج الأعمال الاجتماعية الخاصة بالقطاع المالي، وهي شركات تعمل على أساس التنظيم الطوعي للأعضاء، الذين يودعون المدخرات ويحصلون على قروض من هذه الجمعيات. في الوقت الحالي، قام بنك ألبانيا بترخيص 14 شركة مساهمة خاصة واتحاد واحد من هذا النوع.

وفيما يتعلق بالأعمال التجارية ذات الطابع الاجتماعي التي تعمل كشركات تجارية حقيقية، فإن تحديدها من المنظور الإحصائي يعتبر أمرًا مستحيلًا، لأنه لا يوجد تصنيف محدد لها أو حتى قانون خاص للنشاط الاقتصادي. في معظم الحالات، تكون هذه الشركات مجرد مشاريع صغيرة، ولكن هناك أيضًا أمثلة على منظمات في شكل شركات ذات مسؤولية محدودة، وتقدر الدراسة أن التحديات الرئيسية التي تواجه الشركات الاجتماعية تتمثل في الصعوبات في الوصول إلى المخططات المالية المتاحة، وإنشاء الشبكات، واختراق الأسواق، وبما أنها في الخطوات الأولى من دورة الأعمال، فإن معظمها يواجه صعوبات في استيعاب الأموال.

في ألبانيا، تعد مخططات تمويل الأعمال الاجتماعية قليلة جدًا، ولا يختلف الواقع كثيرًا بالنسبة لدول منطقة البلقان بأكملها، حيث إن خطط تمويل ريادة الأعمال لم تنشط إلا منذ بضع سنوات فقط. ومع ذلك، لدينا قطاعات يتوفر فيها التمويل والمانحون بشكل أكبر، خاصة لريادة الأعمال الاجتماعية في مجال الاقتصاد الأخضر أو في مجالات أخرى تتعلق بالطاقات المتجددة.

خطط الدعم قليلة جدًا ولا توجد أموال كافية لدعم هذه الأنشطة على المدى الطويل.

هناك مشكلة أخرى تضاف إلى مشكلة التمويل وهي مشكلة الخبرة بالنسبة إلى الشركات الاجتماعية؛ حيث يمكن لهذه الشركات الاجتماعية أن تعتمد على فكرة جيدة، ولكن تنفيذ هذه الفكرة يتطلب أيضًا الكثير من المعرفة المحددة من الناحية القانونية والاقتصادية وغير ذلك، كما أن الوصول إلى هذه الخبرة محدود ويجب الحصول عليه من خلال دفع الأموال، وهو ما تفتقر إليه هذه الشركات، وقد حاولت برامج مختلفة للاتحاد الأوروبي التغلب على هذه العقبات، لكن النتائج لم تكن هي النتائج المرجوة وكثيراً ما واجهنا تناقضات، خاصة في مجال الزراعة.

من القطاعات المثيرة للاهتمام التي تطورت فيها الشركات الاجتماعية في ألبانيا قطاع التعليم، وخاصة التعليم الجامعي. على الرغم من أنها ساهمت في التطوير النوعي لرأس المال البشري، إلا أن توطيد هذا السوق لا يزال بحاجة إلى وقت لتغطية متطلبات سوق العمل بشكل عام وريادة الأعمال الاجتماعية بشكل خاص.

تتمثل إحدى سمات الأعمال الاجتماعية في ألبانيا في تقديم الشركات الناشئة مؤخرًا، وكان أحد الاقتراحات التي قدمها المتخصصون والخبراء في هذا المجال هو إنشاء منصات للتمويل الجماعي أو التشاركي (لجمع الأموال) واستخدامها من جانب المؤسسات الاجتماعية، كوسيلة فعالة للعثور للحصول على مصادر دخل إضافية، كما كان من بين التوصيات تقديم مخططات ائتمانية ميسرة تعمل على تقييم الأثر الاجتماعي وتسهيل دخول المؤسسات الاجتماعية إلى السوق، مما يساعد على تطوير هذه الأعمال. بالإضافة إلى ذلك، يقترح الخبراء أيضًا أن تتناول برامج التدريب العديد من الاحتياجات أهمها أبحاث السوق، وإعداد خطة عمل، بالإضافة إلى إعادة صياغة الأفكار استنادًا إلى احتياجات السوق، واستهداف العملاء، باعتبارها أكبر الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الاجتماعية. وباعتبار ألبانيا دولة صغيرة ذات اقتصاد غير مستقر بعد، فإن ريادة الأعمال الاجتماعية في ألبانيا هي جزء من السوق، لكنها لا تزال في مراحلها الأولية، كما سيستغرق الأمر وقتًا كافيًا لتكون هذه المبادرات أكثر عددًا، ولتحصل على المزيد من التمويل من كل من الحكومة الألبانية والمانحين الأجانب.

 

  V.            النتائج والاستنتاجات

جاءت جائحة كوفيد-19، التي شهدناها قبل عامين، بمثابة حافز للتغييرات المتوقعة والتحويلية في نماذج الأعمال، بحسب ما أقر بذلك العديد من ممثلي مجال العلوم الاقتصادية، كما أنه من الواضح أن النموذج الاقتصادي التقليدي قد كشف عن نقاط ضعف فيه، مما دفع إلى إعادة النظر في الممارسات التجارية التقليدية. وفي حين احتلت الشركات الناشئة مكانة بارزة قبل عقد من الزمان، فقد تحول التركيز الحالي نحو عناصر الصناعة 4.0، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الرقمنة، والشركات التي تعيد رسملة الأصول الاقتصادية بسرعة، ومن المتوقع أن تؤدي التغييرات المتوقعة إلى نشوء نماذج أعمال جديدة، يصاحبها الشركات الاجتماعية التي تلعب دورًا حاسمًا في هذا التطور.

عند التأمل في العقد الماضي، نجد أن إصدار أول تقرير عن السعادة العالمية يمثل علامة بارزة وخطوة مهمة للغاية؛ حيث حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 20 مارس يومًا دوليًا للسعادة من خلال القرار 66/281، أي قبل عشر سنوات بالضبط. خلال هذه الفترة، كان هناك اعتراف متزايد بأنه يجب تقييم النجاح الاقتصادي وقياسه بناءً على مستوى سعادة سكان دولة ما، وقد أدى التوافق على قياس مستوى السعادة إلى تطوير مؤشرات مثل "مؤشر السعادة"، مما يدل على التحول نحو اعتبار السعادة الوطنية هدفًا ملموسًا وتشغيليًا للحكومات.

عند فحص البيانات الواردة من هذا المؤشر لبعض الدول الأوروبية الكبرى، ينكشف لنا أن هناك أنماطًا متسقة وثابتة؛ حيث تحتل النرويج المرتبة الأولى باستمرار، تليها أيرلندا التي ارتفعت بمقدار سبعة مراكز مقارنة بالعام الماضي، بينما تحافظ سويسرا على المركز الثالث بصورة ثابتة، ومن الجدير بالذكر أن ألمانيا حافظت على المركز السادس لها ضمن هذا المؤشر حتى خلال ذروة تفشي الوباء في عام 2020 وإن كانت قد تراجعت ثلاثة مراكز، بينما حصلت الدنمارك على المركز العاشر وخسرت بذلك ستة مراكز، واحتلت إنجلترا المركز الثالث عشر. تُعَدُّ هذه التصنيفات مثيرة للاهتمام للغاية عند مقارنتها بالناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان، مما يكشف عن تفاوتات اقتصادية كبيرة.

إذا اعتقد أحد المتخصصين في المجال الاقتصادي أ ينبغي لمؤشرٍ واحدٍ فقط أن يحدد ظاهرة ما، فإن التحليل الاقتصادي حينها سيكون جافًا ولا روح له، وقبل كل شيء، غير إنساني. دعونا نبدأ في التفكير في المجتمع، ولكن ليس من الناحية الاقتصادية فقط لأننا سنفهم بعد ذلك أن الأمر سيكون أكثر جمالًا. في هذه الظروف، سنكون جميعًا أكثر اهتمامًا بقياس مستوى سعادتنا وقبل كل شيء "السعادة الاقتصادية للمجتمع". ينتج المعهد الوطني للإحصاء في إيطاليا حاليًا 61 مؤشرًا إحصائيًا، يتم تحديثها على المنصة الإلكترونية الخاصة بالمبادئ التوجيهية للتنمية المستدامة، والتي تم تنفيذها بتعاون وتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي . تحتوي لوحة المعلومات هذه على الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، حيث يتم عرض التعريفات والاتجاهات والمواءمة مع الأمم المتحدة ومصادر المعلومات لإنتاج المؤشر. لقد عكف المعهد الوطني للإحصاء لسنوات على إنشاء "مجموعة البيانات المشتركة بين الأمم المتحدة والمعهد الوطني للإحصاء في إيطاليا"، وهي مجموعة تتألف من أعضاء من جميع وكالات الأمم المتحدة بهدف بناء البيانات في هذه الاتجاهات للأجندة العالمية لعام 2030. من بين النماذج الاقتصادية الأكثر انتشارًا، يعترف الجميع اليوم بأن نظام النمو المستدام هو المفتاح لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، وباعتبارها مؤشرات رئيسية لتقييم رفاهية وسعادة الناس، وضعت الأمم المتحدة مؤشرات لهذه الاتجاهات الرئيسية:

[1]                        القضاء على الفقر

[2]                        القضاء على الجوع

[3]                        الصحة الجيدة والرفاهية

[4]                        التعليم الجيِّد

[5]                        المساواة بين الجنسين

[6]                        المياه النظيفة والخدمات الصحية

[7]                        طاقة نظيفة وبأسعار معقولة

[8]                        العمل اللائق والنمو الاقتصادي

[9]                        الصناعة والابتكار والبنية التحتية

[10]                  الحدّ من عدم المساواة

[11]                  المدن والمجتمعات المستدامة

[12]                  الاستهلاك والإنتاج المسؤولان

[13]                  النشاط المناخي

[14]                  الحياة تحت الماء

[15]                  الحياة على اليابسة

[16]                  السلام والعدالة، المؤسسات القوية

[17]                  عقد الشراكات لتحقيق الأهداف

 

سوف أركز فيما يلي على بعض النقاط السابقة وليس جميعها.

1.    مكافحة الفقر: تشير التقديرات إلى أن الوباء العالمي والحرب في أوكرانيا والأحداث المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط مجتمعة ستؤدي إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع خلال عام 2024 من 75 إلى 95 مليون نسمة، مقارنة بالتقديرات التي تم توقعها خلال فترة ما قبل الجائحة.

2.    يعد القضاء على الجوع تحديًا كبيرًا آخر أمام تحقيق التنمية المستدامة؛ ففي عام 2020، عانى ما بين 720 مليون و 811 مليون نسمة في جميع أنحاء العالم من الجوع، أي بزيادة بلغت نحو 161 مليون نسمة عن عام 2019. وفي عام 2020 أيضًا، كان حوالي 2.4 مليار شخص، أو أكثر من 30 بالمائة من سكان العالم، بلا وصول منتظم إلى التغذية الكافية؛ حيث ارتفع هذا الرقم بما يقرب من 320 مليون شخص في عام واحد فقط. وعلى الصعيد العالمي، عانى 149.2 مليون طفل دون سن الخامسة، أو 22 بالمائة، من التقزم (قصر القامة بالنسبة لسنهم) في عام 2020، وهو معدل أقل من نسبة الـ 24.4 بالمائة التي تم تسجيلها سابقًا في عام 2015، بينما ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع وانعدام الأمن الغذائي تدريجياً بين عام 2014 وبداية ظهور جائحة كوفيد-19، التي دفعت معدلات النمو هذه إلى الارتفاع وتسببت أيضًا في تفاقم جميع أشكال سوء التغذية، خاصة بين الأطفال. كما أن الحرب في أوكرانيا تتسبب في زيادة تعطيل سلاسل الإمدادات الغذائية العالمية وتخلق أكبر أزمة غذائية عالمية منذ الحرب العالمية الثانية.

3.    الصحة الجيدة والرفاهية: ينطوي هذا الهدف، على النحو الذي حددته الأمم المتحدة، على وقف الوفيات التي يمكن الوقاية منها بين الأطفال حديثي الولادة والأطفال دون سن الخامسة بحلول عام 2030، ويُشجع جميع الدول على العمل من أجل خفض معدل وفيات الرضع إلى ما لا يقل عن 12 حالةً لكل 1000 مولود حي، وخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى ما لا يقل عن 25 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الهدف هو القضاء على العديد من الأوبئة مثل الإيدز، والسُّل، وأمراض المناطق المدارية المهملة بحلول عام 2030، كما ينبغي توجيه الجهود نحو مكافحة التهاب الكبد، والأمراض المنقولة بالنواقل، والأمراض المنقولة بالمياه، والأمراض المعدية والسارية الأخرى. ويتمثل الهدف النهائي في  تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وضمان الحماية من المخاطر المالية، والوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية عالية الجودة، وتوفير الوصول الآمن والفعال وبأسعار معقولة إلى الأدوية واللقاحات الأساسية للجميع.

4.    التعليم الجيد: يتمثل الغرض من وراء الهدف المتعلق بجودة التعليم، وفقًا للأمم المتحدة، في تحقيق العديد من الخطوات البارزة بحلول عام 2030، ويشمل ذلك ضمان إكمال جميع الفتيات والفتيان تعليمًا أساسيًا مجانيًا ومنصفًا وعالي الجودة يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق نتائج تعليمية مناسبة وفعالة، كما يسعى هذا الهدف إلى توفير الوصول إلى تنمية ذات جودة في مرحلة الطفولة المبكرة، والرعاية قبل المدرسية، والتعليم الجيد للفتيات والفتيان لإعدادهم للتعليم الأساسي بحلول العام نفسه 2030، بالإضافة إلى أن يكتسب جميع الطلاب على حدٍّ سواء المعرفة والمهارات اللازمة لتعزيز التنمية المستدامة، بما في ذلك مجالات مثل التعليم من أجل التنمية المستدامة، وأنماط الحياة المستدامة، وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، وتعزيز ثقافة السلام، وعدم استخدام العنف، والمواطنة العالمية، وتقدير التنوع الثقافي، وكذلك الاعتراف بمساهمة الثقافة في تحقيق التنمية المستدامة. بالإضافة إلى ذلك، يؤكد هذا الهدف من أهداف التنمية المستدامة على أن يكون هناك توسع عالمي كبير في تقديم المنح الدراسية المتاحة للبلدان النامية بحلول عام 2030، خاصة البلدان الأقل نموًّا والدول الجُزرية الصغيرة النامية والبلدان الإفريقية للالتحاق بقطاع التعليم العالي، الذي يشمل التدريب المهني، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والبرامج الفنية، والهندسية، والعلمية، سواء في البلدان المتقدمة أو في البلدان النامية الأخرى.

5.    المساواة بين الجنسين: تهدف الأمم المتحدة بحلول نهاية عام 2030 إلى تحقيق هذه الأهداف: إنهاء جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات في جميع أنحاء العالم، والقضاء على جميع أشكال العنف ضد جميع النساء والفتيات في المجالين العام والخاص، بما في ذلك الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وغيرها من أنواع الاستغلال وسوء المعاملة، والاعتراف وتقدير الرعاية غير مدفوعة الأجر والعمل في المنزل من خلال توفير الخدمات العامة والبنية التحتية وسياسات الحماية الاجتماعية، وتعزيز المسؤوليات المشتركة في المنزل وفقًا للخصائص الوطنية.

6.    المياه النظيفة والخدمات الصحية: يهدف هذا الهدف من أهداف التنمية المستدامة إلى تحقيق حصول الجميع على مياه الشرب بشكل عادل وآمن وبأسعار معقولة بحلول عام 2030، فضلًا عن تحقيق الوصول إلى خدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية الكافية والمنصفة للجميع والقضاء على ظاهرة التغوط في العراء، مع إيلاء اهتمام خاص لاحتياجات النساء والفتيات والأشخاص المحتاجين، وتحسين جودة المياه عن طريق الحد من التلوث، ووقف رمي النفايات، وتقليل إطلاق المواد الكيميائية والمواد الخطرة، وخفض نسبة مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى النصف، وزيادة معدلات عمليات إعادة التدوير وإعادة الاستخدام الآمن على مستوى العالم بشكل كبير.

7.    طاقة نظيفة وبأسعار معقولة: ضمان حصول الجميع على الصعيد العالمي على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة بتكلفة ميسورة بحلول عام 2030، ومضاعفة المستوى العالمي لتحسين كفاءة استخدام الطاقة وزيادة التعاون الدولي لتمكين الوصول إلى بحوث وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، بما في ذلك الطاقة المتجددة، وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والتكنولوجيا لإنتاج الطاقة المتجددة.

8.    العمل اللائق والنمو الاقتصادي: دعم النمو الاقتصادي للفرد وفقًا للظروف الوطنية، وعلى وجه الخصوص، ضمان تحقيق نمو سنوي لا يقل عن 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الأقل نموًا، فضلًا عن تحقيق مستويات أعلى من الإنتاجية الاقتصادية من خلال التنويع وتحديث التكنولوجيا والابتكار، ومن خلال الاهتمام الإضافي بالقطاعات ذات القيمة المضافة العالية والقطاعات كثيفة العمالة، بالإضافة إلى تشجيع السياسات الموجهة نحو التنمية التي تدعم الأنشطة الإنتاجية، وخلق فرص العمل اللائق، وريادة الأعمال، والإبداع والابتكار، وكذلك تعزيز إضفاء الطابع الرسمي على الشركات الصغيرة والمتوسطة ونموها، وذلك من خلال الوصول إلى الخدمات المالية. التحسين التدريجي، بحلول عام 2030، لكفاءة الموارد العالمية للاستهلاك والإنتاج، والسعي إلى فصل النمو الاقتصادي عن التدهور البيئي، بما يتماشى مع الإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المستدامة، بقيادة البلدان المتقدمة.

9.    يعد الحد من عدم المساواة وضمان عدم تخلف أحد عن الركب جزءًا لا يتجزأ من تحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث تشكل مشكلة عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها سببًا دائمًا للقلق، ويبدو أن آثار جائحة كوفيد-19 تعكس أي اتجاه إيجابي نحو تضييق فجوة عدم المساواة في الدخل، كما أدى الوباء إلى زيادة مظاهر التمييز الهيكلي والنظامي، وتشهد الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية انتعاشًا بطيئًا، مما يؤدي إلى اتساع الفوارق في الدخل بين البلدان، بينما  بلغت أعداد القتلى من اللاجئين والمهاجرين في جميع أنحاء العالم أعلى معدلاتها على الإطلاق في عام 2021. وفي الوقت نفسه، تستمر الحرب في أوكرانيا، مما يجبر المزيد من الناس على ترك منازلهم ويخلق واحدة من أكبر أزمات اللاجئين.

10. تعزيز المجتمعات السلمية والشاملة من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وتوفير الوصول إلى العدالة للجميع، وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة على جميع المستويات. لا يزال الصراع وانعدام الأمن وضعف المؤسسات ومحدودية الوصول إلى العدالة تشكل جميعًا تهديدًا كبيرًا للتنمية المستدامة؛ حيث تجاوز عدد الأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد والصراعات المختلفة أكثر من 70 مليون شخص في عام 2018، وهو أعلى مستوى تسجله مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) منذ ما يقرب من 70 عامًا. أما في عام 2019، فقد سجلت الأمم المتحدة 357 جريمة قتل و 30 حالة اختفاء قسري للناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنقابيين في 47 دولة. بالإضافة إلى ذلك، لا يتم تسجيل ولادة حوالي طفل واحد من بين كل 4 أطفال دون سن الخامسة في جميع أنحاء العالم رسميًا، مما يحرمهم من إثبات الهوية القانونية لهم، وهو الأمر الذي يعتبر ضروريًّا من أجل حماية حقوقهم والوصول إلى العدالة والخدمات الاجتماعية. إن أجندة التنمية الناجحة تحتاج إلى شراكات شاملة – على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية والمحلية – تقوم على المبادئ والقيم والرؤية مشتركة والأهداف مشتركة التي تجعل من الناس والكوكب مركزًا للاهتمام. تتطلب العديد من البلدان مساعدة إنمائية رسمية لتشجيع حركة النمو والتجارة، إلى أن مستويات المعونة والمساعدات الرسمية آخذة في التراجع ولم تف البلدان المانحة بتعهداتها بزيادة تمويل مشاريع وعمليات التنمية، كما أنه من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد العالمي بشكل حاد بنسبة 3 ٪ خلال عام 2020 نتيجة لجائحة COVID -19، حيث يشهد أسوأ ركود له منذ الكساد الكبير، لذا فإن هناك حاجة إلى تعاون دولي قوي الآن أكثر من أي وقت مضى لضمان حصول البلدان على الأدوات اللازمة للتعافي من الوباء، والعودة بقوة، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

هذه هي 10 من بين 15 اتجاهًا رئيسيًا للأهداف الإنمائية للأمم المتحدة بحلول نهاية عام 2030.

تتعلق التنمية المستدامة بتلبية الاحتياجات البشرية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية للحاضر دون المساس بفرص الأجيال القادمة في تلبية احتياجاتها أيضًا، وإذا كان هناك إرث يمكننا أن نتركه للأجيال القادمة، فهو أن نترك لهم مجتمعًا أكثر اجتماعية من المجتمع الذي نعيش فيه، ومع تزايد عدد السكان والطلبات المتزايدة على الحلول على هذا الكوكب، تعد التنمية المستدامة واحدة من أكبر التحديات التي يواجهها العالم اليوم، وموضوعًا للكثير من النقاشات من جانب السياسيين وقادة الأعمال. في إطار هذه التنمية المستدامة، ستكون الأعمال الاجتماعية أحد الأشكال الرئيسية لنماذج الأعمال في المستقبل، وستدير الحكومات مفهوم عدم المساواة بشكل أسهل من مفهوم الفقر.

 

 

 

 

 

 

 

4- الدكتورة نيفيلا راما / الدكتورة يونا ماراشي - ألبانيا

التفاعل الأيديولوجي بين المبادئ الاقتصادية للسوق الاشتراكية

و

الواقعية السياسية في العلاقات الدولية –الصين دراسة حالة

ملخص:

تتناول هذه الورقة البحثية التفاعل المعقد بين البراغماتية الاقتصادية والواقعية السياسية في نهج الصين تجاه العلاقات الدولية، كما تتعمق الورقة البحثية، من خلال التركيز على تطور السياسات الاقتصادية للصين وتأثيرها على الجغرافيا السياسية العالمية، في كيفية تعامل قيادة البلاد مع التوازن بين المبادئ الاقتصادية للسوق الاشتراكية واعتبارات السياسة الواقعية. بالإضافة إلى ذلك، يهدف البحث أيضًا من خلال تحليل الإصلاحات الاقتصادية الرئيسية واستراتيجيات المشاركة العالمية ومبادرة الحزام والطريق، إلى تقديم رؤى حول نموذج التنمية الفريد للصين وتداعياته على مجال العلاقات الدولية الأوسع، وتؤكد النتائج على أهمية فهم كيفية قيام الدول بالتوفيق بين النظم والنُّهُج المختلفة للتنمية. علاوة على ذلك، تُبرز الورقة الأهمية الكبيرة للتعاون بين الجهات الفاعلة العالمية لتعزيز والمحافظة على عالم سلمي ومستدام، بغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية.

 

1.    خلفية البحث

ينبع الأساس المنطقي وراء النموذج الاقتصادي للسوق الاشتراكي من الجهود المبذولة لإيجاد حلول هجينة تجمع بين مزايا كل من الاشتراكية واقتصاد السوق، وهناك مجموعة واسعة من أوجه الدمج بين التدخل الحكومي وتوجه السوق، مما يؤدي إلى وجود طرق تنفيذ مختلفة للنموذج، مع أخذ الصين في الاعتبار باعتبارها أبرز الأمثلة على ذلك (هانسن وآخرون، 2020).

يشير مصطلح "اقتصاديات السوق الاشتراكية" إلى نظام اقتصادي يتضمن عناصر من كل من الاشتراكية ومبادئ السوق (هيو، 2019). تدعو الاشتراكية التقليدية إلى الملكية الجماعية أو ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، بينما يؤكد اقتصاد السوق على دور قوى السوق في تخصيص الموارد وتوزيعها. لقد ظهر مفهوم اقتصاديات السوق الاشتراكية كمحاولة لمزج هذه الأساليب التي تبدو متناقضة. وفقًا للتعريفات الرسمية، فهو ليس بالرأسمالية، ولكنه طريقة أكثر استدامة وعدلاً اجتماعيًا لجعل اقتصاد السوق يعمل من أجل التنمية الوطنية وتحسين مستويات المعيشة (هانسن وآخرون، 2020).

في اقتصاد السوق الاشتراكي، قد تحتفظ الحكومة أو القطاع العام بالسيطرة أو ملكية الصناعات والموارد الرئيسية، مثل المرافق والنقل والقطاعات الاستراتيجية. في الوقت نفسه، يسمح الاقتصاد بوجود سوق يتم فيه شراء السلع والخدمات وبيعها، ويتم تحديد الأسعار من خلال قوى العرض والطلب. وهذا يتناقض مع الاقتصاد الاشتراكي المخطط مركزياً، حيث تسيطر الحكومة عادة على عملية التخطيط الاقتصادي بأكملها.

قد تشمل السمات الرئيسية لاقتصاد السوق الاشتراكي ما يلي:

Ø    الملكية العامة - قد تكون بعض الصناعات أو القطاعات، لا سيما تلك التي تعتبر أساسية أو استراتيجية، مملوكة ملكية عامة أو خاضعة لسيطرة الحكومة، ويمكن أن يشمل ذلك قطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق.

Ø    آليات السوق - على الرغم من الملكية العامة في بعض المناطق، إلا أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد يعمل من خلال آليات السوق، وتتأثر أسعار السلع والخدمات بقوى السوق، وقد توجد منافسة بين الشركات المملوكة للقطاع الخاص.

Ø    الرعاية الاجتماعية - غالبًا ما تركز اقتصادات السوق الاشتراكية بشدة على الرعاية الاجتماعية والحد من عدم المساواة في الدخل. قد تشمل السياسات الحكومية الضرائب التصاعدية وشبكات الأمان الاجتماعي وبرامج لمعالجة الفقر.

Ø    التنظيم - تلعب الحكومة عادة دورًا تنظيميًا في اقتصاد السوق الاشتراكي لضمان تحقيق المنافسة العادلة وحماية المستهلكين ومنع تركيز الثروة والسلطة.

Ø    التخطيط المركزي في المجالات الرئيسية - في حين أنه يُسمح لقوى السوق بالعمل، قد تشارك الحكومة في التخطيط المركزي في مجالات رئيسية معينة لتحقيق أهداف اجتماعية أو اقتصادية محددة.

يمكن تتبع الجذور التاريخية لذلك الخليط ما بين سمات الاقتصاد الاشتراكي والسوقي إلى الستينيات من القرن الماضي في "المعسكر الاشتراكي" في الاتحاد السوفيتي ودول وسط أوروبا؛ حيث كانت المجر واحدة من الدول التي انطلقت من خلال مبادراتها باتجاهها نحو سياسة التنازلات والتسويات (Szelenyi et al.، 2001) ؛ حيث دفعت الأزمة الاقتصادية العميقة التي وقعت في بداية الستينيات الحكومة المجرية في ذلك الوقت إلى طرح "صفقة" للطبقة العاملة - أصبحت تُعرَف باسم السياسات الاقتصادية الجديدة - انطلقت في البداية من الريف، من خلال اتباع سياسة مرنة للغاية تجاه الإنتاج العائلي، على الرغم من أن الزراعة كانت قد تحولت إلى نشاط جماعي في أوائل الستينيات في المجر. علاوة على ذلك، قام المجريون بحلول أوائل السبعينات توسيع نموذج قطع الأراضي العائلية الزراعية / المزارع الصغيرة (أو النظام المسؤول الفردي) في الصناعة من خلال السماح لترتيبات التعاقد من الباطن المعقدة بالنمو داخل الشركات المملوكة للدولة (Adler - Lomnitz and Sheinbaum، 2011).  وقد شكلت هذه الامتيازات الأرض الخصبة داخل النظام المتجانس (الاشتراكي) حيث بدأت مبادرات القطاع الخاص (السوق الحرة) في النمو شيئًا فشيئًا. لذلك، مكنت الإصلاحات التي روجت لها الحكومة العمال من تعلم كيفية التصرف في الاقتصاد الرأسمالي. تم تعزيز هذا التعايش بين خصائص الأنظمة المختلفة من خلال توظيف المهنيين المتعلمين في مناصب السلطة وإعادة تفسير الاشتراكية على أنها "مشروع علمي". طبقت المجر هذا النهج بشكل أكثر اتساقًا من الدول الاشتراكية الأخرى.

ثم كانت مرحلة الخصخصة التلقائية اعتبارًا عام 1988، التي أعقبها السماح بتنفيذ وإنشاء المشاريع المشتركة مع المستثمرين الأجانب. يسلط البحث الضوء على أن الاستراتيجيات التي اتبعها المديرين المجريين لم تختلف عن نظيراتها في أي بلد رأسمالي: "هذه هي نفس الطريقة كما هو الحال في البلدان الرأسمالية حيث يغير الأشخاص ذوو السلطة القواعد، مما يجعل جميع التغييرات قانونية". (أدلر لومنيتز وشينباوم، 2011).

كانت البلدان الأخرى في المعسكر الاشتراكي أكثر اعتدالاً من حيث المزج بين النظم الاشتراكية والسوقية / الرأسمالية على حدٍّ سواء حتى عام 1989 وما بعده؛ حيث انتقلوا من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحرة، بينما تطور هذا الاقتصاد الأخير وتحسن من حيث الاستفادة من تجربة السوق من البلدان الأخرى، سواء في أوروبا أو القارات الأخرى. لقد خضعوا لـ "العلاج بالصدمة" لإصلاحات السوق، مما أدى إلى تغييرات اقتصادية جذرية.

في غضون ذلك، تقوم العديد من البلدان التي امتدت تجربتها لعقود من الأيديولوجية الشيوعية وقامت بتأسيس اقتصاد "النوع الاشتراكي" الراسخ، بتنفيذ مزيج مختلف في العلاقة بين الاقتصاد الاشتراكي الخالص والاقتصاد الرأسمالي الخالص (هانسن وآخرون، 2020)، وتعتبر كوبا وفيتنام ولاوس نموذجًا لهذه الفئة، حيث كان إدخال عناصر السوق في هذه البلدان يسير بشكل تدريجي، وذلك في الغالب باستخدام النهج القائم على مبدأ التجربة والخطأ. بغض النظر عن تجربة هذه الدول، تظل الصين، بسبب العديد من الأسباب الاقتصادية والجغرافية والسياسية وغيرها، "نموذجًا" للدولة الاشتراكية التي يطبق "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، كما يشار إليه عمومًا (هيو، 2019). إن مساهمتها الشاملة في الاقتصاد العالمي والسياسة والدبلوماسية، وبالتالي الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الدولة في الحفاظ على السلام، يستحق استكشافًا أعمق، وهو ما تحاول هذه الورقة البحثية أن تقوم به بشكل متواضع.

 

2.    البراغماتية الاقتصادية مقابل الواقعية السياسية

إن التفاعل الأيديولوجي بين المبادئ الاقتصادية للسوق الاشتراكية والواقعية السياسية في سياق العلاقات الدولية، لا سيما في حالة الصين، يتسم بأنه معقد ومتعدد الأوجه، ويعكس النهج الفريد الذي تتبناه الصين في التعامل مع التنمية الاقتصادية وانخراطها مع المجتمع الدولي مزيجًا من المبادئ الاشتراكية والإصلاحات الموجهة نحو السوق والواقعية السياسية البراغماتية.

1.2.                    إصلاحات السوق

غالبًا ما يتم الاستشهاد بالصين كمثال على بلد تبنى عناصر اقتصاد السوق الاشتراكي، لا سيما منذ الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في أواخر القرن العشرين، حيث كانت مدفوعة باعتراف عملي بأوجه القصور في الاقتصاد المخطط مركزيًا، ووفقًا للعرض النظري لأنصار النظام الصيني، فإن جوهر اقتصاد السوق الاشتراكي (SMET) هو أن الاشتراكية كنظام اجتماعي واقتصاد السوق كآلية لتخصيص الموارد يمكن دمجهما عضويًا لممارسة مزايا كليهما في الوقت نفسه وتوليد حواف مؤسسية ومنهجية جديدة (هيو، 2019).

بعد البحث الذي أجراه بيكيفولد (2020)، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أنه لا يمكن الفصل بين المجالين الاقتصادي والسياسي بأي طريقة ذات مغزى، إلا أن الهياكل والعمليات الاقتصادية هي في الغالب نتيجة للتفاعلات السياسية. في رحلتها نحو اقتصاد السوق، تُحكم الصين بنظام الحزب الواحد مع مجموعات أدوات قوية تنظم الاقتصاد، بما في ذلك ما يتعلق بإدارة التجارة ورأس المال الأجنبي.

تم تقديم نموذج "اقتصاد السوق الاشتراكي" من قبل دنغ شياو بينغ في مؤتمر الحزب الثاني عشر في عام 1982، ضمن الإطار الأوسع لـ "بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" وكان الغرض طوال الوقت هو تبني عناصر اقتصاد السوق لتعزيز النمو الاقتصادي (ميلر، 2018).  لقد مر هذا التوجه السياسي بالعديد من الإجراءات الاقتصادية والقيود الإدارية، مما أظهر أساسيات اقتصاد السوق الاشتراكي. تشمل بعض التدخلات الرئيسية ما يلي:

Ø    لا يزال نظام الخطط البالغ الأهمية في الوقت الحاضر يسمح أو حتى يفرض العديد من الأدوات التدخلية الملزمة – وهو أمر يتعارض مع طبيعة اقتصاد السوق. هناك المئات من الخطط القطاعية والأفقية بالإضافة إلى تلك الموجودة على مستوى المقاطعات والمستوى المحلي (بيلكمانس، 2018).

Ø    تلعب الملكية العامة "دورًا مهيمنًا" و "هي أساس اقتصاد السوق الاشتراكي" - المنصوص عليه بشكل واضح في الدستور، ولا يزال دور الملكية العامة مؤكدًا حتى في استراتيجية الإصلاح المثيرة للاهتمام التي تم الإعلان عنها في نوفمبر من عام 2013 (الجلسة المكتملة الثالثة) بوجود 60 مقترحًا للإصلاح التي أعلنها شعار "دع السوق يلعب دورًا حاسمًا". 

Ø    هيمنة الشركات المحلية المملوكة للدولة على الأسواق. علاوة على ذلك، هناك رقابة صارمة يمارسها الحزب الشيوعي الصيني (CCP) على التعيينات العليا في الشركات الكبرى المملوكة للدولة. تميل النخبة الصينية بالفعل إلى امتلاك اتصالات شبكية متطورة مما يؤدي إلى طمس الفروق بين الشركات الخاصة والشركات المملوكة للدولة.

Ø    تشير "الإصلاحات" في الصين عادة إلى إعادة توازن الاقتصاد (على سبيل المثال نحو الخدمات، بعيدًا عن الصناعة الثقيلة ومن التجميع إلى المزيد من القيمة المضافة في سلاسل القيمة مما يعني التحول نحو القطاعات المتقدمة)، بدلاً من إعادة التوازن بين دور الدولة ودور الأسواق.

Ø    القيود المفروضة فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار. كانت الصين مقيِّدة للغاية في ما يخص الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد، حتى أكثر من أي دولة أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (بيلكمانز، 2018). انفتحت الصين على التجارة الخارجية في أوائل عام 1980 بطريقة تدريجية تتحكم في تدفقات السلع والأموال من خلال احتكار التجارة الخارجية الخاضع للسيطرة المركزية ونظام الصرف الأجنبي الصارم. لم يتغير الوضع كثيرًا، على الرغم من إعلانات رئيس الحكومة الفعلي (شي جين بينغ)، الذي ظل في السلطة لأكثر من عقد من الزمان.

يتم عرض هذه الخصائص وبعض الخصائص الأكثر تفصيلاً المذكورة أدناه تخطيطيًا في الشكل رقم 1.

- على الرغم من العديد من الخصوصيات التي يتسم بها النظام الاقتصادي الصيني، إلا أنه أصبح من الواضح للعديد من البلدان أن الصين تشهد نموًّا كبيرًا لتصبح اقتصادًا ومُصَدِّرًا رئيسيًّا، مما يؤثر على عملية التعاون/التفاوض التجاري، كما أحدثت الصين تغييرات جوهرية في المؤسسات التجارية العالمية في التسعينيات مع متطلبات جديدة بشأن التجارة في الخدمات والاستثمارات التي كان استيعابها أكثر صعوبة بالنسبة إلى الصين (هانسن وآخرون، 2020).

- كما هو الحال مع نظامها التجاري، عندما فتحت الصين أبوابها أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، لم تفعل ذلك إلا بصورة تدريجية من خلال دعوة الشركات الأجنبية إلى إنشاء الإنتاج في عدد متزايد تدريجيًا من المناطق الاقتصادية الخاصة المعينة، ومن خلال فرض العديد من القيود على ملكية الأجانب (هانسن وآخرون، 2020)؛ كما يخضع الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين لنظام الموافقة، وهو أمر يتعارض بلا شك مع اقتصاد السوق، حيث يرتبط نظام الموافقة بضوابط الصرف الأجنبي والأهداف الصريحة للاستثمار الأجنبي المباشر في الحصول على التكنولوجيا الأجنبية وحقوق الملكية الفكرية مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية. أما بداية من عام 1992 فصاعدًا، عندما أكد دينغ شياو بينغ التزام الصين بإصلاحات السوق، شهدت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين حالة انتعاش كبيرة، ولم يكن هناك دولة أكثر تلقيًا للاستثمارات الأجنبية من الصين في ذلك الوقت إلا الولايات المتحدة (البنك الدولي، 2022). وكانت إحدى الشكاوى طويلة الأمد حول النظام الصيني للاستثمار الأجنبي المباشر الوارد (إذا كان مسموحًا به على الإطلاق) تتمثل في الجمع بين المشاريع المشتركة الإلزامية مع الشركات الصينية والتكنولوجيا غير الطوعية و/أو نقل حقوق الملكية الفكرية.

- يُظهر التحليل الذي أجراه الباحثون أن السلطات الصينية تفضل الاستثمار الأجنبي المباشر على القروض والمساعدات (المؤشر المعروف باسم صافي المساعدة الإنمائية الرسمية ODA) واستثمارات المَحَافِظ لأنه من خلال الاستثمارات المباشرة، يمكن للصين الوصول إلى التكنولوجيا والخبرة التجارية وكذلك رأس المال وفي الوقت نفسه السيطرة على تدفقاته. مع استراتيجية تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر وانتشار سلاسل القيمة العالمية (GVCs)، فإن نسبة القيمة المضافة الأجنبية إلى إجمالي صادرات البلد هي مؤشر مهم يخبرنا عن التأثير الأجنبي والارتقاء الصناعي في أي اقتصاد (تشينغ، 2014).

اقتصاد السوق الاشتراكية

الحزب الشيوعي الصيني

نظام الخطة

·         الملكية العامة الاشتراكية كقوة رائدة في الاقتصاد (المادة 7، الدستور)

·          "تشجيع ودعم وتوجيه" تطور القطاع الخاص (المادة 11)

·          قواعد الحزب

·         تداخل بين عضوية الحزب والمناصب الحكومية العليا.

·         سيطرة صارمة على أعلى المديرين التنفيذيين للمؤسسات الحكومية المملوكة للدولة والقضاء.

·         تأثير مباشر للحزب الشيوعي الصيني على العديد من الشركات الخاصة.

·         الحزب الشيوعي الصيني يحدد جدول الأعمال الاقتصادي ويسيطر على تنفيذه بشكل دائم.

·         التخطيط منهجي

·         العديد من الأدوات التدخلية، مثل الأهداف الكمية / النوعية، والدعم المالي الواسع النطاق، وهيكل الأعمال، وحظر الواردات، وما إلى ذلك.

·         ملزم، مع وجود تحفيز قوي ومراقبة

·         تؤثر الدولة بشكل كبير على طبيعة ودرجة المنافسة.

الشكل رقم 1: اقتصاد السوق الاشتراكي ذو الخصائص الصينية   (المصدر: بيلكمانز، 2018)

ومع ذلك، أسفرت نتائج الإصلاحات الاقتصادية في الصين والتنفيذ المنهجي للخطط الخمسية عن طفرات كبيرة في النمو الاقتصادي، على عكس تقييمات الباحثين والنقاد الأجانب، كما شهدت المؤشرات الرئيسية، بما في ذلك نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات الفقر المدقع، ومؤشر التنمية البشرية، ومستويات الأمية، تحسينات ملحوظة منذ بدء هذه الإصلاحات في عام 1990 (مؤشرات البنك الدولي، 2022). وتتأكد قصة نجاح الصين بشكل أكبر من خلال الإنجاز الرائع الذي حققته والمتمثل في انتشال ما يقدر بنحو 800 مليون شخص من الفقر المدقع منذ بدء الإصلاحات الموجهة نحو السوق (البنك الدولي، 2022؛ هانسن وآخرون، 2020). وتعكس هذه الرحلة التحويلية فعالية الاستراتيجيات الاقتصادية للصين وتأثيرها الملموس على تحسين مستويات المعيشة والحد من معدلات الفقر على نطاق غير مسبوق.

 

2.2.                    الواقعية السياسية

يقدم هذا الجزء نظرة نظرية يمكن من خلالها فهم طبيعة الإصلاحات الاقتصادية في الصين في سياق الواقعية السياسية؛ فمن خلال توضيح التوازن المعقد بين المصالح الوطنية والبراغماتية الاقتصادية والاستقرار السياسي، يساهم هذا الفصل من البحث في فهم دقيق لنهج الصين المميز على المسرح العالمي، كما يسلط استكشاف التحديات في التكامل العميق الضوء على الطبيعة المتطورة لمشاركة الصين مع المؤسسات الدولية، مما يقدم رؤى قيمة حول التفاعل بين الواقعية السياسية والإصلاحات الاقتصادية.

أظهر قادة الصين في سعيهم نحو تحقيق الإصلاحات الاقتصادية نهجًا عمليًا وواقعيًا في العلاقات الدولية، ينطوي على إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية، والبحث عن الفرص الاقتصادية، والحفاظ على الاستقرار السياسي، كما حافظت الصين على سيطرة الدولة على الصناعات والقطاعات الاستراتيجية الرئيسية، مثل الاتصالات والطاقة والتمويل بهدف حماية الأمن والمصالح الوطنية.

ارتبط صعود الصين باعتبارها قوة اقتصادية عالمية بشكل معقد مع نهجها العملي والواقعي في التعامل مع العلاقات الدولية. ويتعمق هذا الفصل من البحث في الإطار النظري للواقعية السياسية كما هو مطبق على الإصلاحات الاقتصادية في الصين، ومن خلال التركيز على التفاعل بين المصالح الوطنية والفرص الاقتصادية والاستقرار السياسي، يتنقل هذا الاستكشاف النظري عبر نموذج الصين المميز للرأسمالية التي تقودها الدولة والحكم السلطوي. بالإضافة إلى ذلك، يستند هذا الفصل إلى أعمال هيو (2019) وغيره من الباحثين ويوضح كيف تَمَكَّنَ القادة الصينيون بشكل استراتيجي من السيطرة الحكومية على الصناعات الرئيسية، مع التأكيد على تشابك المبادئ الاشتراكية والاستراتيجيات الواقعية لحماية الأمن والمصالح الوطنية.

يشكل نموذج الحكم المميز في الصين، في ظل حكم الحزب الواحد للحزب الشيوعي الصيني، تجسيداً نموذجياً للواقعية السياسية؛ فعلى الرغم من تبني مبادئ السوق، إلا أن حكم الحزب الواحد يسهل عملية صنع القرار والاستقرار المركزيين، وهي سمات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالواقعية السياسية. بالإضافة إلى ذلك، يقدم المشهد السياسي في الصين، الذي شكلته الهيمنة الصارمة للحزب الشيوعي الصيني وحكم الحزب الواحد، عدسة نظرية آسرة لفهم التفاعل بين الحكم السلطوي والواقعية السياسية. تفترض الواقعية السياسية، كإطار نظري، أن الدول تعمل في المقام الأول من أجل مصلحتها الذاتية وأنها مدفوعة بالسعي إلى السلطة والأمن. في سياق المشهد السياسي في الصين، يظهر حكم الحزب الواحد للحزب الشيوعي الصيني كمظهر من مظاهر تأكيد الواقعية السياسية على السلطة المركزية من أجل تحقيق الاستقرار والكفاءة.   يؤكد باحثون مثل مورغنثاو (1978) على أهمية القوة والاستقرار في العلاقات الدولية، بما يتماشى مع السمات التي يجسدها حكم الحزب الواحد في الصين.

في الوقت الحاضر، تشارك الصين بنشاط في الاقتصاد العالمي باعتبارها لاعبًا رئيسيًّا في قطاعي التجارة والاستثمار الدوليين. وتكشف المقاربة بين الحكم السلطوي والانفتاح الاقتصادي عن نهج دقيق يتماشى مع المبادئ الواقعية لتعظيم المصالح الوطنية من خلال النمو الاقتصادي ونقل التكنولوجيا والتأثير الجيوسياسي. يسهل حكم الحزب الواحد في الصين هيكلية صنع القرار المركزية، وهو عنصر أساسي يدعم النهج الواقعي للحكم، كما تساهم هذه السلطة المركزية، كما استكشفها روز (1998)، بشكل كبير في تحقيق حالة من الاستقرار الوطني. أما في الإطار النظري للواقعية السياسية، يعد الاستقرار أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الحكم الفعال، كما يوفر حكم الحزب الواحد الهيكل اللازم لضمان اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة.

يقدم المشهد السياسي في الصين، الذي شكلته الهيمنة الصارمة للحزب الشيوعي الصيني وحكم الحزب الواحد، عدسة نظرية آسرة لفهم التفاعل بين الحكم السلطوي والواقعية السياسية، كما أنه يوفر نموذجًا فريدًا للحوكمة يساهم في الاستقرار الوطني ويوجه موقف الصين العملي في الحوكمة والعلاقات الدولية.

يمتد الاستكشاف النظري إلى النهج العملي للصين في التعامل مع ملف العلاقات الدولية، والذي شكله نموذج الحوكمة الفريد الخاص بها. بحسب ما أوضحه كار (2001)، تؤكد الواقعية السياسية على الحاجة إلى سياسات عملية وواقعية لضمان البقاء الوطني. يسمح حكم الحزب الواحد في الصين بمشاركة عملية وفعالة مع الساحة العالمية. تتجلى هذه الحوكمة البراغماتية في السياسة الخارجية الحازمة للصين ومبادراتها الاستراتيجية، مما يعكس نهجًا واقعيًا لتأمين المصالح الوطنية على الساحة الدولية.

من الأمور الأساسية أو المركزية في النهج الواقعي للصين هي سيطرتها الاستراتيجية على الصناعات الرئيسية، مثل الاتصالات والطاقة والتمويل، حيث يشكل دمج المبادئ الاشتراكية التي تؤكد على ملكية الدولة والاستراتيجيات الواقعية حجر الأساس لهذا النهج، وتضمن الصين، من خلال الحفاظ على السيطرة على القطاعات الحيوية، حماية الأمن والمصالح الوطنية، وهو موضوع تم استكشافه من خلال عدسة بحث هيو (2019).

من ناحية أخرى، تشارك الصين بنشاط في المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ حيث تتماشى هذه المشاركة مع المبادئ الواقعية لتعظيم التأثير على المسرح العالمي لحماية مصالحها الاقتصادية والنهوض بها، وفي حين أحرزت الصين تقدمًا كبيرًا في معالجة المعايير الدولية، إلا أنه لا تزال هناك تحديات مستمرة في تحقيق ما يسمى "التكامل العميق". يكشف فحص امتثال الصين للقواعد التي حددها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن حالات إحباط بسبب الافتقار إلى التنفيذ والشفافية المتعلقة بالتركيز على حماية الملكية الفكرية وأنظمة الدعم وضرورة فتح سوق مشترياتها للشركات الأجنبية وما إلى ذلك، مما يؤكد الديناميكيات المعقدة التي ينطوي عليها التنقل بين المؤسسات العالمية في الإطار الواقعي.

من المسلم به أن الصين حققت منذ أوائل التسعينيات تقدمًا ملحوظًا في عدد من قضايا "ما وراء الحدود"، لكن التمييز بين التكامل الضحل والعميق لا يزال ساريًا (هانسن وآخرون، 2020). على الرغم من أن الصين امتثلت إلى حد كبير للقواعد التي تعمل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلا أن هناك أدلة على أن كلتا المؤسستين قد أصيبتا بالإحباط بسبب الافتقار إلى التنفيذ والشفافية في الصين، لا سيما فيما يتعلق بقضايا السياسة المالية (كينت، 2007). ما لا يزال مصدر قلق حديث تجاه الصين في سياق منظمة التجارة العالمية يتعلق بافتقارها إلى التقدم في حماية الملكية الفكرية، واستخدامها لأنظمة الدعم، ويتم حث الصين على فتح سوق مشترياتها للشركات الأجنبية، بدلاً من مجرد إعطاء الأفضلية للشركات المحلية (منظمة التجارة العالمية، 2018).

 

3.    مبادرة الحزام والطريق (BRI) - الكشف عن استراتيجية جيوسياسية

إن مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي مشروع ضخم للبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، مدفوعة بدوافع اقتصادية، ولكن لها أيضًا آثار جيوسياسية، كما أنها تعكس استراتيجية واقعية لتوسيع النفوذ وتأمين الموارد وتعزيز الاتصال لتعزيز مكانة الصين في الشؤون الدولية. على الجانب الآخر، تتأثر العلاقات الدولية، وخاصة العلاقات التجارية، ولكن ليس فقط، وتستحق استكشافًا أعمق.

برزت مبادرة الحزام والطريق الصينية كقوة تحويلية على الساحة العالمية، متجاوزة مجرد الاعتبارات الاقتصادية لتمارس نفوذًا جيوسياسيًّا كبيرًا، كما تشكل مبادرة الحزام والطريق، التي تم إطلاقها في عام 2013، مشروعًا هائلاً يهدف إلى الربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا من خلال شبكة واسعة من مشاريع البنية التحتية. علاوة على ذلك، لا تكمن عظمة هذه المبادرة في مظاهرها الملموسة فحسب، مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب، ولكن أيضًا في قدرتها على إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي. أما بعيدًا عن الدوافع الاقتصادية الواضحة لتعزيز التجارة وتحفيز التنمية الاقتصادية وتأمين الوصول إلى الموارد، تتكشف مبادرة الحزام والطريق كاستراتيجية جيوسياسية ذات آثار عميقة يتردد صداها عبر العلاقات الدولية (هانسن وآخرون، 2020). من وجهة النظر هذه، من المفيد الخوض في الأبعاد متعددة الأوجه لمبادرة الحزام والطريق، وكشف التفاعل المعقد بين التطلعات الاقتصادية والتداعيات الجيوسياسية.

تمثل مبادرة الحزام والطريق أكثر من مجرد خطة لتطوير البنية التحتية؛ إنها شهادة على رؤية الصين الاستراتيجية لإعادة تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية للقارات المترابطة. وبينما نتنقل عبر أروقة هذه المبادرة، تصبح الدوافع الاقتصادية التي تحرك مشاريع البنية التحتية الضخمة واضحة – وهو جهد جاد لتحفيز التجارة العالمية، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتأمين الوصول إلى الموارد الحيوية. ومع ذلك، فإن نطاق مبادرة الحزام والطريق يمتد إلى ما هو أبعد من المجالات الاقتصادية، مما يلقي بظلاله الجيوسياسية التي تشمل الاعتبارات الاستراتيجية والنفوذ. يسعى هذا الاستكشاف التمهيدي إلى كشف طبقات النوايا الجيوسياسية للصين المضمنة في مبادرة الحزام والطريق، وتسليط الضوء على التراقص المعقد بين البراغماتية الاقتصادية والطموحات الجيوسياسية التي تحدد هذه المبادرة الضخمة. وفي حين أن الدوافع الاقتصادية وراء مبادرة الحزام والطريق واضحة – تعزيز التجارة والتنمية الاقتصادية وتأمين الوصول إلى الموارد – إلا أن التداعيات الجيوسياسية كبيرة بالقدر نفسه.

 

1.3.                    التوسع الاقتصادي والوصول إلى الموارد

Ø    يمثل التوسع الاقتصادي والوصول إلى الموارد من خلال مبادرة الحزام والطريق في جوهرها استراتيجية متعددة الأوجه تتجاوز مجرد المكاسب الاقتصادية الفورية المباشرة، لتشمل تحقيق النمو طويل الأجل وتنويع الأسواق وأمن الموارد الاستراتيجية، وتسمح مبادرة الحزام والطريق للصين بتوسيع نفوذها الاقتصادي من خلال إنشاء شبكة واسعة من البنية التحتية التي تسهل عمليات التجارة والاستثمار؛ حيث تهدف الصين من خلال تأمين الوصول إلى الموارد والأسواق الرئيسية إلى ضمان نموها الاقتصادي وأمن الطاقة لديها على المدى الطويل من خلال:

Ø    التوسع الاقتصادي من خلال تطوير البنية التحتية: تعد مبادرة الحزام والطريق بمثابة حجر الزاوية لاستراتيجية التوسع الاقتصادي في الصين، من خلال الاستفادة من بناء شبكة واسعة من مشاريع البنية التحتية، وتهدف هذه المشاريع التي يتم تنفيذها ضمن المبادرة، بما في ذلك الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب، إلى تعزيز الاتصال عبر قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تسعى الصين من خلال تعزيز النقل المحسن والقدرات اللوجستية، إلى تبسيط طرق التجارة، وخفض تكاليف المعاملات، وتحفيز الأنشطة الاقتصادية. لا يؤدي تطوير البنية التحتية الطموح هذا إلى تسريع نمو الدول المشاركة في المبادرة فحسب، بل يفتح أيضًا أسواقًا جديدة للسلع والخدمات الصينية، مما يؤدي في النهاية إلى توسيع النفوذ الاقتصادي للصين على نطاق عالمي.

Ø    تيسير التجارة والاستثمار: إن تركيز مبادرة الحزام والطريق على البنية التحتية أمر أساسي في إنشاء ممرات تجارية فعالة تسهل حركة السلع والخدمات؛ حيث لا يقلل هذا الاتصال المعزز من أوقات النقل وتكاليفه فحسب، بل يعزز أيضًا زيادة أحجام التجارة بين البلدان المشاركة. بالإضافة إلى ذلك، تساهم مبادرة الحزام والطريق في تعميق العلاقات الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة من خلال توفير منصة سلسة للتفاعلات الاقتصادية. علاوة على ذلك، تشجع المبادرة الاستثمار الأجنبي المباشر حيث تستثمر الصين في قطاعات مختلفة، تتراوح من التصنيع إلى التكنولوجيا، مما يزيد من نفوذها الاقتصادي خارج حدودها.

Ø    الوصول الاستراتيجي إلى الموارد الرئيسية: أحد الأهداف المركزية لمبادرة الحزام والطريق يتمثل في تأمين الوصول إلى الموارد الحيوية؛ حيث تهدف الصين، من خلال الاستثمارات الاستراتيجية في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، إلى ضمان وجود سلسلة توريد مستقرة ومتنوعة لاقتصادها سريع النمو. يمتد هذا النهج الذي يركز على الموارد إلى المواد الخام مثل المعادن وموارد الطاقة والمنتجات الزراعية. ومن خلال تطوير قطاع البنية التحتية التي تسهل استخراج هذه الموارد ونقلها وتجارتها، لا تلبي الصين احتياجاتها الاقتصادية الفورية فحسب، بل تضع أيضًا أساسًا طويل الأجل للنمو المستدام.

Ø    توسيع السوق وتنويعها: توفر مبادرة الحزام والطريق منصة تنطلق منها الصين لتنويع أسواقها، مما يقلل من الاعتماد على أي منطقة بصورة منفردة. ومن خلال تعزيز الروابط والعلاقات الاقتصادية مع العديد من الدول على طول الطرق التي تمر بها مبادرة الحزام والطريق، تتحوط الصين ضد عدم اليقين الاقتصادي والتقلبات في أسواق محددة في تلك الدول. ولا يعزل هذا التنويع لا الصين عن الصدمات الاقتصادية المحتملة فحسب، بل يضعها أيضًا كلاعب رئيسي في الأسواق الناشئة والحدودية، مما يعزز مكانتها كقوة اقتصادية عالمية.

Ø    ضمان النمو الاقتصادي طويل الأجل: تضع الصين الأساس لنمو اقتصادي مستدام وقوي من خلال مبادرة الحزام والطريق؛ حيث تخلق مشاريع البنية التحتية المترابطة إطارًا للأنشطة الاقتصادية المستمرة، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال والتنمية الصناعية، ويتماشى هذا المنظور طويل الأجل مع رؤية الصين للانتقال من اقتصاد مدفوع بالتصدير إلى نموذج اقتصادي أكثر توجهًا نحو الاستهلاك والابتكار، مما يضمن مكانتها كدولة رائدة في المشهد الاقتصادي العالمي.

Ø    أمن الطاقة من خلال الاستثمارات الاستراتيجية: نظرًا لتصاعد الطلب العالمي على الطاقة، تنفذ الصين بشكل استراتيجي العديد من الاستثمارات في دول الحزام والطريق التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الطاقة. ومن خلال تأمين الوصول إلى مصادر الطاقة المتنوعة والوفرة، بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي، تخفف الصين من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على موردين محددين، وهو ما لا يعزز أمن الطاقة في الصين فحسب، بل يعزز أيضًا مرونتها في مواجهة الشكوك الجيوسياسية والاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.

2.3.                    الأثر الجيوسياسي

تبرز مبادرة الحزام والطريق باعتبارها محورًا أساسيًّا في قواعد اللعبة الاستراتيجية للصين، حيث أنها تسهل توسيع نفوذ الصين الجيوسياسي على نطاق عالمي، مع التركيز الواضح على المناطق التي تتميز باستثمارات كبيرة. يتماشى هذا التأثير التوسعي مع الاستراتيجية الواقعية، كما أكد سوين (2019)، مما يضع مبادرة الحزام والطريق كمسعى متعمد من جانب الصين لتعزيز مكانتها الدولية. توفر مبادرة الحزام والطريق، من خلال مشاريع البنية التحتية الشاملة وارتباطاتها الاقتصادية، للصين وسيلة لممارسة نفوذ سياسي كبير، والتأثير على مسارات السياسة للدول الشريكة. وبحسب ما أوضح جيل ورايلي (2018)، فإن النفوذ الاقتصادي بمثابة الصلة التي تمارس الصين من خلالها نفوذها الجيوسياسي. إن الحجم المالي الهائل لمبادرة الحزام والطريق يمكّن الصين من تشكيل القرارات السياسية للبلدان الشريكة، مما يؤدي إلى تشابك القوة الاقتصادية مع النفوذ الجيوسياسي. علاوة على ذلك، تسلط رؤى ماودسلي (2019) الضوء على توسيع نفوذ الصين إلى ما وراء العلاقات الثنائية إلى الساحة الدولية، حيث يتم استخدام البراعة الاقتصادية كأداة لحشد الدعم وتحديد القرارات في المحافل الدولية. ولا تعزز الصين مزاياها الاقتصادية فحسب من خلال مبادرة الحزام والطريق، بل تضع نفسها أيضًا في موقع استراتيجي كلاعب رئيسي في تشكيل الديناميكيات السياسية العالمية.

3.3.                    الاتصال كأداة قوة ناعمة

لقد أصبح الاتصال، باعتباره عقيدة مركزية لاستراتيجية الصين العالمية، أداة محورية في سعيها إلى امتلاك القوة الناعمة، وتستفيد الصين بشكل استراتيجي من الاتصال المعزز لتنمية النوايا الحسنة والتصورات الإيجابية بين الدول المشاركة. ينصب التركيز على فهم الآليات التي تساهم من خلالها مشاريع الاتصال في زيادة القوة الناعمة للصين على الساحة العالمية.

Ø    الاتصال كأداة قوة ناعمة: إن تركيز الصين على تعزيز الاتصال يمكن اعتباره بمثابة محرك رئيسي في تعزيز نفوذ قوتها الناعمة. وفقًا لناي، تشمل القوة الناعمة القدرة على تشكيل التفضيلات من خلال الجذب والإقناع بدلاً من الإكراه. ومن خلال الاستثمار بكثافة في مشاريع الاتصال، تسعى الصين إلى خلق تصورات إيجابية وتعزيز النوايا الحسنة بين الدول المعنية. ونظرًا لأن هذه المشاريع تساهم في تطوير وسائل النقل والاتصالات و الروابط التجارية الفعالة، فإنها لا تعزز التعاون الاقتصادي فحسب، بل تعمل أيضًا كرمز واضح لالتزام الصين بأهداف التنمية المشتركة. ومن خلال هذه المساعي، تضع الصين نفسها كميسر للتقدم، مستفيدة من الاتصال كوسيلة لجذب الدول وإقناعها بالتوافق مع قيمها وأهدافها.

Ø    البنية التحتية الحيوية والتأثير الإقليمي: يتمثل أحد الأبعاد الحاسمة لاستراتيجية الاتصال في الصين في بناء مشاريع البنية التحتية الحيوية والتحكم فيها. تسمح هذه المساعي للصين بتشكيل أنماط الاتصال الإقليمية وممارسة التأثير أو النفوذ على تدفق السلع والمعلومات. وفقًا لجونستون، يمكن لمشاريع البنية التحتية، عندما يتم بناؤها والتحكم فيها بشكل استراتيجي، أن تكون بمثابة أدوات لاستعراض القوة. إن مشاركة الصين النشطة في تطوير الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات تجعلها لاعباً رئيسياً في الاتصال الإقليمي، كما أن السيطرة الاستراتيجية على هذه البنى التحتية لا تعزز المصالح الاقتصادية للصين فحسب، بل تزيد أيضًا من نفوذها على الدول المشاركة. هذا الدور المزدوج، الذي تعزز فيه مشاريع الاتصال التعاون الاقتصادي ونفوذ الصين في آن واحد، يسلط الضوء على الطبيعة المترابطة للقوة الناعمة والاتصال الإقليمي.

تسعى الصين، من خلال تعزيز الاتصال، إلى تعزيز قوتها الناعمة من خلال تعزيز النوايا الحسنة والتصورات الإيجابية بين الدول المشاركة من جهة، فضلاً عن بناء مشاريع البنية التحتية الحيوية والسيطرة عليها، مما يسمح للصين بتشكيل الاتصال الإقليمي والتأثير على تدفق السلع والمعلومات.

4.3.                    الاعتبارات العسكرية الاستراتيجية

تتكشف مبادرة الحزام والطريق كاستراتيجية متعددة الأوجه للصين، تمتد إلى ما وراء المجالات الاقتصادية والجيوسياسية لتشمل الاعتبارات العسكرية الاستراتيجية؛ ففي جوانب محددة من مشاريع مبادرة الحزام والطريق، التي تحمل أهمية عسكرية استراتيجية، يتم التأكيد على كيفية مساهمة مبادرة الحزام والطريق في توسيع النفوذ البحري للصين وتعزيز قدراتها العسكرية، مما يعكس في نهاية المطاف التفاعل الدقيق بين الأهداف الاقتصادية والعسكرية.

Ø    الأهمية العسكرية الاستراتيجية لمشاريع مبادرة الحزام والطريق: يتم التأكيد على بعض مشاريع مبادرة الحزام والطريق، لا سيما تلك التي تنطوي على بناء الموانئ والمرافق البحرية، من خلال أهميتها العسكرية الاستراتيجية. يتماشى إنشاء مثل هذه البنى التحتية بسلاسة مع الاستراتيجية العسكرية الأوسع للصين، بحسب ما أكد فرافل  الذي يوضح أن التحديث والتوسع العسكري للصين يتجاوز المخاوف الإقليمية، ليشمل تطوير القدرات لاستعراض القوة وحماية المصالح البحرية. وبالتالي، تظهر المشاريع التي تتضمنها مبادرة الحزام والطريق التي تتميز بإنشاء الموانئ والمرافق البحرية كتعبير ملموس عن نية الصين لتعزيز موطئ قدمها البحري، ووضع نفسها بشكل استراتيجي في المناطق الرئيسية.

Ø    تعزيز القدرات البحرية واستعراض القوة: يكمن أحد الأبعاد الأساسية لتأثير مبادرة الحزام والطريق على الاستراتيجية العسكرية للصين في مساهمتها في القدرات البحرية، وتساهم المبادرة، من خلال الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية ذات الصلة، بشكل كبير في تعزيز القوة البحرية للصين وقدراتها على استعراض القوة. يتماشى هذا التأكيد مع الرؤى والأفكار التي طرحها إريكسون وسترينج (2014)، اللذان يشرحان بالتفصيل الاستراتيجية البحرية المتطورة للصين وتركيزها على اكتساب القدرة على استعراض القوة في المناطق البحرية الحساسة؛ حيث أن الصين لا تعزز قدراتها البحرية فحسب، من خلال وضع الموانئ والمرافق البحرية بشكل استراتيجي على طول طرق مبادرة الحزام والطريق، بل تؤمن أيضًا نقاطًا هامة لاستعراض القوة المحتمل، مما يمثل جانبًا محوريًا من الآثار العسكرية الأوسع للمبادرة.

يمكننا أن نفترض أن بعض مشاريع مبادرة الحزام والطريق، مثل الموانئ والمرافق البحرية، لها أهمية عسكرية استراتيجية وأن هذا التوسع في النفوذ البحري يتماشى مع الاستراتيجية العسكرية الأوسع للصين من ناحية، فضلاً عن أنه يساهم في القدرات البحرية للصين، مما يعزز قدرتها على إبراز القوة في المناطق الرئيسية من ناحية أخرى.

5.3.                    التبعية الاقتصادية والديناميكيات التجارية

قد تصبح الدول الشريكة التي تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات والبنية التحتية الصينية تابعة اقتصاديًا للصين، ويمكن الاستفادة من هذه التبعية من أجل إحداث أو ممارسة التأثير السياسي، ويتماشى هذا التأكيد مع المناقشات العلمية حول الطبيعة المزدوجة للتبعية الاقتصادية وآثارها على النفوذ السياسي. وبحسب ما لاحظ غالاغر وبورزكانسكي (2010)، يمكن للتبعية الاقتصادية أن تخلق ديناميكية قوة يصبح البلد المتلقي من خلالها عرضة للقوة التي تفرض نفوذها وتأثيرها، كما يجادل غالاغر وبورزكانسكي بأن هذه الديناميكية مهمة بشكل خاص في سياق الارتباطات الاقتصادية للصين، مع التأكيد على النفوذ المحتمل الذي يمكن أن تمارسه الصين على الدول التابعة.

"يمكن استخدام الديون التي تتكبدها البلدان الشريكة بشكل استراتيجي للحصول على امتيازات أو في أغراض السيطرة على الأصول الرئيسية لتلك الدول". تؤكد بروتيغام في بحثها حول فن الحكم الاقتصادي في الصين، على أن طبيعة القروض الصينية هي طبيعة استراتيجية، مشيرة إلى أنها غالبًا ما تنطوي على ترتيب ضمانات أو شروط ميسرة تمنح الصين نفوذًا على الدول المقترضة، ويتماشى هذا مع فكرة أن الديون ليست التزامات مالية فحسب، بل هي أيضًا أدوات للتأثير الجيوسياسي.

تتمتع مبادرة الحزام والطريق بالقدرة على إعادة تشكيل ديناميكيات التجارة العالمية، والتأثير على تدفق السلع والخدمات على طول طرق البنية التحتية المنشأة حديثًا، حيث إنها تمثل قوة مهمة في تشكيل الهيكل الناشئ للاقتصاد العالمي، وخلق روابط وطرق تجارية جديدة، وهو ما يتماشى مع فكرة أن مبادرة الحزام والطريق تعمل كمحفز لإعادة تحديد المسارات التي تتدفق من خلالها السلع والخدمات على المسرح العالمي. وقد تصبح الدول الشريكة التي تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات والبنية التحتية الصينية تابعة اقتصاديًا للصين، وبالتالي يمكن الاستفادة من هذه التبعية من أجل فرض أو إحداث نوع من التأثير السياسي، فضلًا عن أنه يمكن استخدام الديون التي تتكبدها البلدان الشريكة بشكل استراتيجي للحصول على امتيازات أو السيطرة على الأصول الرئيسية في تلك البلدان.

تتمتع مبادرة الحزام والطريق بالقدرة على إعادة تشكيل ديناميكيات التجارة العالمية، والتأثير على تدفق السلع والخدمات على طول طرق البنية التحتية المنشأة حديثًا، كما يمكنها إنشاء ممرات تجارية جديدة وتحويل مراكز الثقل الاقتصادي، مما يؤثر على طرق التجارة التقليدية.

6.3.                    العلاقات الدولية والتحديات الدبلوماسية

سعت القوى العالمية إلى تحقيق مصالحها الوطنية في مشهد عالمي معقد من خلال الانخراط في جهود تعاونية متميزة مع الصين، وتنطوي هذه الأساليب على اعتراف عملي بالتحديات المشتركة والفرص الاقتصادية والحاجة إلى حلول تعاونية لمعالجة القضايا العالمية الملحة مع الحفاظ على مصالح وأمن كل دولة. لقد ولدت مبادرة الحزام والطريق تحديات دبلوماسية بينما تتنقل البلدان في العلاقات المعقدة التي تنطوي عليها المشاركة في المبادرة أو معارضتها. قد تنشأ توترات دبلوماسية عندما تتنافس القوى المتنافسة على النفوذ على البلدان المشاركة في مشاريع مبادرة الحزام والطريق، التي تنظر بعض البلدان إليها على أنها تهديد محتمل لمصالحها الجيوسياسية، مما يؤدي إلى خلق ردود فعل استراتيجية مضادة. على سبيل المثال، أطلقت الولايات المتحدة مبادراتها الخاصة لتطوير البنية التحتية لموازنة نفوذ الصين، بينما امتنعت الهند استراتيجيًا عن المشاركة في مبادرة الحزام والطريق، مشيرة إلى المخاوف بشأن السيادة وآثار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني على نزاع كشمير الذي يواجه تحدي الحفاظ على توازن دقيق بين تجنب المشاركة المباشرة مع مبادرة الحزام والطريق والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى استكشاف شراكات إقليمية بديلة، مع التأكيد على سياسة "العمل شرقًا" لموازنة نفوذ الصين في جنوب آسيا. واستجابة لمبادرة الحزام والطريق الصينية الطموحة، صاغت اليابان بشكل استراتيجي استراتيجية منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، ووضعتها كإجراء مضاد محسوب للمبادرة الصينية؛ حيث اختارت اليابان، في مواجهة تحد دبلوماسي يركز على التنقل في المشهد التنافسي للتأثير في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، نهجًا استباقيًا من خلال الترويج لمبادرات البنية التحتية الخاصة بها، ويكمن جوهر استجابة اليابان في التعاون مع الشركاء الإقليميين، مع إعطاء الأولوية لتطوير مشاريع البنية التحتية عالية الجودة والتأكيد على الالتزام بالمعايير الدولية. لم تهدف هذه الاستراتيجية المضادة إلى التخفيف من نفوذ الصين فحسب، بل سعت أيضًا إلى وضع معيار لتطوير البنية التحتية المسؤولة والشفافة في المنطقة بالإضافة إلى تشكيل استجابات اليابان الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتقديم رؤى قيمة حول الجغرافيا السياسية للمنطقة (بيمبل، 2019) .

ولكن، تبنت دول أخرى نهجًا متباينًا في مشاركتها مع مبادرة الحزام والطريق، منتقلة بحرفية وبراعة بين التوازن الدقيق بين جني المزايا الاقتصادية في علاقاتها مع الصين والحفاظ على مكانتها السياسية على الساحة العالمية، وينطوي هذا السعي الدقيق على تنسيق استراتيجي، حيث تسعى البلدان إلى تسخير الفوائد الاقتصادية الناشئة عن ارتباطها بالصين مع الحفاظ بذكاء على هويتها السياسية المميزة ضمن الساحة الدولية، بينما يكمن التحدي في مواءمة ضرورات التعاون الاقتصادي مع الصين بمهارة دون المساس بالنسيج المعقد لمكانة الدولة الجيوسياسية.

تساهم هذه الأمثلة في فهم الطرق المتنوعة التي تستجيب بها الدول لنفوذ الصين المتزايد من خلال مبادرة الحزام والطريق.

Ø    ماليزيا - إعادة تقييم وصلة سكة حديد الساحل الشرقي (ECRL): توفر إعادة تقييم ماليزيا لمشروع وصلة سكة حديد الساحل الشرقي (ECRL) دراسة حالة دقيقة استجابة لتأثير الصين المتزايد مما يوضح كيف تتنقل الدولة بشكل استراتيجي مع الحقائق الاقتصادية مع السعي في الوقت نفسه إلى الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع الصين. وجدت ماليزيا بقيادة رئيس وزرائها مهاتير محمد نفسها، في أعقاب مبادرة الحزام والطريق الصينية الطموحة، في مفترق طرق مع إعادة تقييم مشروع خط السكك الحديدية للساحل الشرقي (ECRL)، وهو عنصر مهم في مبادرة الحزام والطريق، وكان التحدي الدبلوماسي الذي ظهر أمام ماليزيا هو التوازن الدقيق والحساس، حيث تنقلت بين جاذبية الفوائد الاقتصادية على خلفية المخاوف بشأن القدرة على تحمل الديون والاعتماد المفرط المحتمل على التمويل الصيني. واستجابة لهذا المأزق المعقد، أظهرت ماليزيا فطنة استراتيجية من خلال الانخراط في مفاوضات لإعادة معايرة شروط مشروع ECRL. لم تُظهر هذه المناورة الذكية وكالة ماليزيا في حماية مصالحها الاقتصادية فحسب، بل أكدت أيضًا قدرتها على الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع الصين، وتحقيق التوازن بين تطلعات التنمية الاقتصادية والاعتبارات الدبلوماسية (غوميز وليو، 2019).

Ø    الاستجابات المنسقة للاتحاد الأوروبي والتشرذم - عامل إيطاليا: كان دخول إيطاليا إلى مبادرة الحزام والطريق أول تأييد من قبل دولة من دول مجموعة السبع، مما تسبب في خلق حالة من التماسك والتشرذم أو التفكك داخل الاتحاد الأوروبي، كما استجابت العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لاصطفاف إيطاليا مع مبادرة الحزام والطريق، مما سلط الضوء على التعقيدات التي أحاطت بمسألة تشكيل استجابة موحدة. لقد واجه الاتحاد تحديات دبلوماسية مختلفة في التوفيق بين المصالح الوطنية المتنوعة، مما يبرز التوازن الدقيق بين الفرص الاقتصادية والمخاوف بشأن النفوذ الجيوسياسي للصين داخل الكتلة، وفي الوقت نفسه تشكيل مسار الاتحاد للحفاظ على استجابة موحدة لنفوذ الصين المتنامي مع احترام الرأي والمصالح المتنوعة للدول الأعضاء فيه، والسعي لإشراكهم في حوارات للتوفيق بين الاختلافات وصياغة نهج أو مقاربة مشترك لنفوذ الصين العالمي المتنامي (بينفينوتي، 2019) .

Ø    أستراليا - موازنة العلاقات الاقتصادية مع التحالفات الاستراتيجية: تنطوي استجابة أستراليا لمبادرة الحزام والطريق على توازن دقيق بين المصالح الاقتصادية والمخاوف بشأن نفوذ الصين المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث اختارت أستراليا استراتيجية للتعامل مع الفرص الاقتصادية التي تقدمها مبادرة الحزام والطريق مع تعزيز التحالفات في الوقت نفسه مع الدول ذات التفكير المماثل لموازنة النفوذ الجيوسياسي للصين، وهو ما أدى إلى ديناميكيات إقليمية وتحديات دبلوماسية تواجهها أستراليا في الحفاظ على موقف دقيق في المشهد الجيوسياسي المتطور في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

 

4.    ملخص لأبرز النتائج

في الختام، يؤكد التفاعل المعقد بين المبادئ الاقتصادية للسوق الاشتراكية والواقعية السياسية في مشاركة الصين في العلاقات الدولية على مدى تعقيد المشهد العالمي المعاصر، وبينما تسلط الأحداث الدولية الأخيرة الضوء على الترابط بين التحديات البيئية وعدم الاستقرار الاقتصادي والعنف، يصبح من الواضح أن معالجة هذه القضايا تتطلب نهجًا شاملاً وتعاونيًا، كما تؤكد الدروس المستفادة من حالة الصين على أهمية تعزيز المؤسسات الدولية وتعزيز الهياكل التعاونية، ويوضح التاريخ أنه عندما تعزز الدول والمنظمات تعاونها، تظهر حلول قابلة للتطبيق وسلمية في الوقت نفسه. أما في مواجهة التحديات المعقدة التي تحدد عالمنا المترابط، تدعو نتائج هذا البحث إلى الالتزام المستمر بالتعاون العالمي وتحصين المؤسسات للتنقل بنجاح في الديناميات المتطورة للعلاقات الدولية.

تشارك الصين في الوقت الحاضر بنشاط في الاقتصاد العالمي باعتبارها لاعبًا رئيسيًّا في عمليات التجارة والاستثمار الدوليين. تهدف هذه الورقة البحثية من خلال دراسة حالة الصين إلى المساهمة في فهم أعمق للتفاعل الديناميكي بين البراغماتية الاقتصادية والواقعية السياسية في تشكيل نهج الأمة تجاه الشؤون العالمية وبالتالي التعايش السلمي في عالم محير، كما يقوم البحث بتحليل الإصلاحات الاقتصادية الرئيسية واستراتيجيات المشاركة العالمية ومبادرة الحزام والطريق، مع تسليط الضوء على النتائج والتداعيات في السياق المحلي والدولي، ويسعى التحليل التفصيلي المقدم هنا إلى تسليط الضوء على تعقيدات نموذج التنمية في الصين وتداعياته الأوسع على المشهد المتطور للعلاقات الدولية.

في الختام، يسلط البحث الضوء على درس بالغ الأهمية: تتطلب مواجهة التحديات المعاصرة مضاعفة جماعية للجهود من مختلف الجهات الفاعلة والقطاعات، مع التأكيد على ضرورة التعاون الدولي لتحديد الحلول المناسبة والمستدامة.

 

bottom of page