نجيب محفوظ يُملي سيرته الذاتية في «الليلة الأخيرة»

نجيب محفوظ يُملي سيرته الذاتية في «الليلة الأخيرة»

لدى الأديب المصري أحمد فضل شبلول، قدرة فائقة على الحكي، استثمرها خلال السنوات الأخيرة في توجيه دفة إبداعه من الإبحار في عالم القصيدة الذي أبدع فيه ثلاثة عشر ديواناً إلى التحليق عالياً في فضاء الرواية، فتوالت الأعمال السردية التي تحمل توقيعه مثل "رئيس التحرير"، و"الماء العاشق"، و"اللون العاشق"، قبل أن يضيف إلى الأخيرة جزءاً ثانياً بعنوان "الليلة الأخيرة في حياة محمود سعيد"، وهي الرواية التي أحدثت أصداءً جيدة لتناولها أحداثا متخيلة ممزوجة بالسيرة حول الساعات الأخيرة في حياة الفنان التشكيلي الراحل محمود سعيد... ويبدو أن نجاح هذا العمل فتح شهيته لمواصلة "الليالي"، فأصدر قبل أيام روايته الجديدة "الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ".

عندما سُئل نجيب محفوظ متى تكتب سيرتك الذاتية؟ أجاب: "لقد كتبتها في أحاديثي الصحافية والإذاعية، وفي أعمالي الروائية والقصصية الكثير من حياتي، مثلاً روايتي (قشتمر) هي نوع من السيرة الذاتية، كذلك بعض سيرتي الذاتية أوردتها في (صباح الورد) و(المرايا) و(الثلاثية) أيضاً، فلماذا أكتب سيرتي الذاتية مادمت كتبتها في أعمالي الإبداعية؟! وسيرتي الذاتية ليس فيها أحداث أو أشياء مثيرة... أنا إنسان بسيط وعادي جداً".

وقد عكف الشاعر والروائي المصري شبلول على قراءة هذه الأحاديث والحوارات الصحافية والإذاعية، وأعاد قراءة أعمال "صاحب نوبل" الإبداعية من روايات ومجموعات قصصية ومسرحية ومقالات أسبوعية، وغيرها من أنواع الكتابة المحفوظية، وما كتب عنه بأقلام آخرين، سواء كانت كتابات نقدية أو أدبية أو فنية أو ذكريات ومذكرات وجلسات.

وعلى الرغم من قول محفوظ "لم يكن في حياتي سر يمكن نشره ولم ينشر، ولكن الصحافيين يحبون دائماً الأسرار، الأسرار الشخصية، الغراميات، إلى آخر هذه الأشياء"، فإن الكاتب شبلول قدّم سيرة ذاتية وسيرة غيرية (والغيرية تغلبت على الذاتية) في روايته الأخيرة "الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ" الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع بالقاهرة في 362 صفحة. وصاغ الإهداء على النحو التالي: "إلى أستاذي نجيب محفوظ الذي اختلف معه فيما قاله للفنان أحمد زكي: (إن شخصيتي لا تصنع فيلماً)".

لم ينس شبلول لقاءيه مع محفوظ بمدينة الإسكندرية الساحلية في ثمانينيات القرن الماضي، أو منذ أكثر من أربعين عاماً، فكانا هما المحرك الرئيس لهذه الرواية التي تعتمد على تقنية الكاتب الشبح الذي يحكي له نجيب محفوظ، ويسجل هو كل حركة وكل كلمة يقولها صاحب "الثلاثية" في ليلته الأخيرة التي يسلم فيها الروح لخالقها في 30 أغسطس 2006، وهي تقنية تختلف تماماً عن تلك التي استخدمها الكاتب في روايته السابقة عن الفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد "الليلة الأخيرة في حياة محمود سعيد".

وعلى ذلك تدور أحداث الرواية في الغرفة رقم 612 بمستشفى الشرطة في ضاحية "العجوزة" بالقاهرة، حيث قام نجيب محفوظ – أثناء مرضه الأخير - باستدعاء الكاتب، ليملي عليه بعض وقائع حياته، وبعض تفسيرات أعماله الروائية وبعض ما قيل عنها بأقلام النقاد والقراء، ابتداء من أول عمل صدر له وهو المجموعة القصصية "همس الجنون" عام 1938 وانتهاء بكتابه "أحلام فترة النقاهة"، بالإضافة إلى شرح علاقاته بالزعماء والكتاب الآخرين سواء من المصريين أو العرب أو الأجانب، لذا نرى أن عدد الشخصيات في هذه الرواية بلغ أكثر من 400 شخصية في مقدمتها الرئيس جمال عبدالناصر، ثم الرئيس أنور السادات، ثم كوكب الشرق أم كلثوم، ثم الزعيم سعد زغلول، ثم الكاتب محمد سلماوي، ثم الكاتب توفيق الحكيم.

تتوقف الرواية عند الكيفية التي كان يكتب بها محفوظ أعماله، وآليات قراءاته المختلفة والمتنوعة، وتعرض لآرائه في الثقافة والسياسة والاقتصاد والمجتمع والعلم والرياضة والفن والسينما والصحافة، كما تعرض الرواية لأهم حدثين في حياة نجيب محفوظ هما: جائزة نوبل التي حصل عليها عام 1988، ومحاولة اغتياله عام 1994، وأصداء هذين الحدثين محلياً وعربياً وعالمياً.

وتحفل الرواية باللحظات والأيام التي كان يعتز بها نجيب محفوظ، مثل لقائه بأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب اللذين حضرا الحفل الذي أعده محمد حسنين هيكل في مقر جريدة "الأهرام" المصرية بمناسبة بلوغ محفوظ سن الخمسين عام 1961، ولقائه بشلة الحرافيش أسبوعياً، وندواته التي كان يعقدها في أماكن مختلفة، وعلاقته بأدباء الإسكندرية وجلساته معهم في كازينو بترو ثم الشانزلزيه ثم سان ستيفانو. وتنفرد الرواية بالحديث عن خصوصية العلاقة بين نجيب محفوظ والإسكندرية التي قال عنها إنها "ليس كمثلها شيء" وانها تعادل الجمّالية (الحي الذي ولد فيه) بالقاهرة، وأن الإسكندرية ارتبطت عنده بالتجدد والنشاط والحيوية.

كما تقدم الرواية تفسيراً لعدم حب نجيب محفوظ للسفر، رغم كم الدعوات التي كانت تصل إليه كي يسافر لعقد ندوات خارج مصر، وتتوقف الرواية عند عدم سفره لتسلم جائزة نوبل بالسويد، وترشيحه آخرين للسفر بدلاً منه، وما حدث لحظة إعلان الفوز بالجائزة، وما استدعاه من ذكريات حول الجوائز التي سبق الحصول عليها.

وهكذا تغطي الرواية نحو تسعين عاماً من حياة نجيب محفوظ، وهي تسعون عاماً من عمر مصر مليئة بالأدب والفن والثقافة والسياسة والثورة (1952)، والهزيمة (1967)، والنصر (1973)، استطاع أن يؤرخ لها نجيب محفوظ في أعماله الإبداعية المختلفة، واستطاع الكاتب أحمد فضل شبلول أن يتناولها من خلال عمل إبداعي جديد يجمع بين التوثيق والتخييل، وبين السيرة والمسيرة، رجع فيها إلى عشرات الكتب والمراجع والمصادر والمجلات والجرائد والمواقع على شبكة الإنترنت.

وفي النهاية يمكن القول من دون مبالغة، إن من لا يعرف شيئاً عن نجيب محفوظ، سيعرف من خلال تلك الرواية كل شيء عنه.

المصدر: