معرض "زمن رمادي" يترجم مفهوم الإبداع في زمن العزلة

معرض "زمن رمادي" يترجم مفهوم الإبداع في زمن العزلة

يسبر معرض "زمن رمادي" مفاهيم الهوية والمجتمع، في أجواء ملتبسة غير واضحة الملامح، بعدما حتم الوباء على الفنانين المشاركين في برنامج "الإقامة الفنية" بنسخته الخامسة، إعادة التفكير في إمكانية ممارسة العمل خارج الفضاء الطبيعي، مما سادت حالة رمادية ترنحت بين الوضوح والإبهام.
وقد دفعت الانعزالية القسرية الكثير من الفنانين على الانطلاق في رحلة استكشافية لمحاولة الإجابة على تساؤلين عميقين ألا وهما "الذات" و"الآخر" اللذين يتخبطان في حالة من عدم اليقين في كنف هذه الأزمة الرمادية.
انقسم الفنانون إلى قسمين، القسم الأول اتجه إلى تقديم مشاهداته لما يتغير من حوله ولكيفية تعامله مع "الآخر" في خضم هذه الفترة الصعبة، من خلال تقديم عدد من المشاريع متعددة الوسائط التي تتطرق لمواضيع تغوص في العلاقة بين الهوية والقضايا السياسية والتدهور البيئي والتطور التقني، أما القسم الثاني حاولوا طرح تساؤلات مرتبطة بالتجارب التي اختبروها أثناء فترة الإغلاق، من خلال سبر أغوار الهوية واستحضار الذكريات والحنين.
"الشرق" تقف على المشاريع الفنية لعدد من الفنانين المشاركين في معرض "زمن رمادي" التي تتنوع ما بين لوحات زيتية، ورسم، ونحت، وتجهيز في الفراغ وفيديوهات، وصور فوتوغرافية، ترجمت بشكل بارز مفهوم الإبداع في زمن العزلة.
الإنسان والبيئة
تهتم أمينة اليوسف، وهي فنانة متعددة التخصصات، بموضوع تفاعل الإنسان مع الطبيعة حيث قدمت عملًا فنيًا بعنوان "ما تبقى" باستخدام الأصباغ الطبيعية تم استخلاصها من مصادر عضوية كالصخور وجذور النباتات وقشور الفواكه حيث قالت: "أنا مهتمة دائمًا بموضوع تفاعل الإنسان مع الطبيعة، وبينما أخذت التكنولوجيا تسيطر على حياتنا يبدو وكأننا نتعامل مع نسخة معدلة من الطبيعة، تم ضبطها بحيث تناسب منظور الإنسانية، وتستقصي أعمالي الحية الأصباغ الطبيعية، حيث اختبرت طرقا مختلفة لاستخلاصها من مصادر عضوية كالصخور وجذور النباتات وقشور الفواكه وشيئًا فشيئًا أصبحت عملية استخراج الأصباغ بالنسبة لي أكثر أهمية من المنتج النهائي، بحيث تتمثل الأولوية الآن بالاستكشاف والدراسة وتقدير أهمية الأرض لما تجود به علينا".
أما المصورة الفوتوغرافية مشاعل الحجازي توثق الأبواب القديمة باستخدام الطباعة الزرقاء التي تعد من أقدم طرق الطباعة في عالم التصوير الفوتوغرافي وتقول: "انبهاري بالأبواب بدأ منذ الطفولة، ولطالما شعرت بالحنين للأيام التي قضيتها في بيت جدي، في حيّ مشيرب القديم الذي كان يتميز بالكثير من المنازل ذات المداخل الخشبية، وللحفاظ على هذا الإرث وعلى ذكرياتي القديمة قررتُ توثيق هذه الأبواب الصامدة".
حنين للماضي
الفنانة التشكيلية منى البدر، تأخذ الزوار في رحلة فنية إلى استكشاف الماضي، فتقول: "الجميع يروي حيازة لون السماء ولكن لم تذكر كلمة أزرق عبر العصور، ففي الثلاثينيات كانوا أجدادنا هم من يتعرضون للسماء والمياه الصافية وكانت لهم قدرة كبيرة على الاستمرار في الحياة، ربما من هنا أصبح اللون الأزرق موجودا في الحياة، ولكن منذ ذلك الحين قد تغير عالمنا الأزرق ولم يتبق منه، سوى أصوات مألوفة تتغنى بـ (الدوم تك والتك) وسماء زرقاء تعانق أهازيج البحارة في عرض البحر".
وتنطوي أعمال مجدولين نصر الله على مجموعة متنوعة من الخامات التي تشمل الأنسجة والرسومات الرقمية والأعمال التجهيزية التفاعلية الضخمة فتقول: "أنا مهتمة بالحوار بين جسد الإنسان والبيئة الحضرية وأتطرق لمواضيع التشرد والانسلاخ وعدم الاستقرار والزمانية والتكيف، حيث تعكس مشاريعي الحالية الطبيعة الانتقالية للحدود ولاسيما تلك القائمة في فلسطين المحتلة".
وتستقصي هند آل سعد وهي مصممة ومبرمجة إبداعية، عوالم الأشكال الغرافيكية الناشئة في الفضائين الفعلي والرقمي عبر استخدام أنظمة إجرائية، وحول عملها الفني بعنوان "تضاريس مشفرة للتغيير" تقول هند: "يوظف هذا العمل أداة تقنية لنقل رسوم غرافيك عبر الكمبيوتر إلى ورق معاد تدويره، ويستخدم العمل شفرة لتحليل صورتين لنفس الموقع من قاعدة بيانات التغير المناخي التي تعدها الإدارة الأمريكية الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) وقد تم التقاط الصورتين بفارق أشهر أو سنوات بينهما".
تحديات حياتية
تعيد ميساء المؤمن تعريف نفسها من خلال موروثاتها، إذ تشارك بعمل فني يحمل عنوان "قاعدة على الشط قاعدة تمشط"، وتقول في ذلك: "أرفض بيروقراطية الحدود وجوازات السفر والأعراق ولذلك أعيد تعريف نفسي من خلال موروثاتي، وخصوصا من خلال حكايات جدتي التي عاشت إبان حقبة شهدت تغييرات كبيرة في الكويت، وحياتها كانت حافلة بالتقلبات بين الاستقلالية والمسؤولية وبين البهجة والسرور، وبين شظف العيش والخير والوفير، كانت تمضي ساعات طويلة في الخياطة بين تلال من الأقمشة وخيطان التطريز ولطالما تسامرنا عندما كانت تقص لي فصولا من تاريخ العائلة وحكايات أسطورية وتنشد أغاني شعبية".
أما ابتسام الحوثي وهي فنانة متعددة التخصصات تعمل على سرديات تتمحور حول صدمات الطفولة من خلال نماذج ثلاثية الأبعاد وأعمال كولاج ورسوم ولوحات فنية، تقول حول عملها الفني المشارك بالمعرض: "البعد النفسي الاجتماعي للحماس والاندفاع عادة ما يكون مرتبطا بتحديات حياتية، يواجه الكثير من الأشخاص صعوبات نتيجة الافتقار للحماس، يشعرون بالوحدة والعزلة حتى من أقرب الناس إليهم، فالتواصل مع الآخرين وإظهار انتشار هذه التجارب يوفر لهم نوعا من الراحة والسكينة، ويتوجه هذا المشروع للجمهور كي يتعرف على مقاربتي في تحويل المعاناة إلى طاقة محركة للأفراد والمجتمعات".
الهروب والوعي
تشارك سوزانا جمعة، فنانة متعددة الوسائط تعمل في مجال التصميم الداخلي والطباعة والرسم، بعمل فني بعنوان "الهروب"، وتقول: "الممارسة الفنية شفاء للروح وحالة من التأمل العميق، بعد فقداني لمعظم أعمالي نتيجة الحرب، قررت أن تكون مجموعتي هذه نوعا من تعويض ما خسرت، رسالتي تتمثل في بالاستمرار بمحاربة القبح بالفن، أعمالي متعددة التخصصات تمزج بين روح الفن المعاصر والسريالية والمفاهيم المعمارية مع الصوت، وكل عمل فني يستخدم توليفة موسيقية تختلط مع صوتي الموسيقي، ليخلق ذلك حالة ذهنية تتلاعب بها التجربتان البصرية والسمعية.
فيما تستقصي أعمال لطيفة الكواري، المشاعر والتعقيدات التي ينطوي عليها الزمن وذلك للنهوض بفهمنا لواقعنا كبشر وتقول: "في أواخر تسعينيات القرن العشرين، ظهر تيار فني وأدبي جديد تحت اسم الكتابة "الاستبهامية" التي تعتمد على مفهوم الحدس الجمالي، ويقوم على فصل وتفكيك معاني الكلمات وأشكال الحروف عمدًا، وهو ما تنتج عنه سرديات شخصية جديدة تجعل القارئ في حالة تتراوح ما بين القراءة والمشاهدة ومحاولة استنتاج معنى العمل الفني، وتأتي الإيقاعات الحيوية للعمل لتستقصي وتتحدى في الوقت نفسه أشكال الأحرف بأسلوب لعوب، وفي عملي "تيار الوعي" تظهر مجموعة من نصوص بدائية تجريدية غير مقروءة مطبوعة على قماش حديث للتعبير عن سرديات تم تفكيكها من خلال إطارات زمنية شخصية.

المصدر: