مبدعون: الشعر يعاني اختفاء القامات

مبدعون: الشعر يعاني اختفاء القامات

أمام تباين الأجناس الأدبية من فنون سردية، وأخرى قولية، يطرح التساؤل نفسه عن مدى حضور الشعر في هذا المشهد، وما إذا كان يتمتع بمكانته، التي كان عليها في السابق، أم أن هناك ثمة مؤثرات تهدد عرشه، وتنافس زعامته.
كما يطرح تساؤل آخر نفسه عن التحديات التي تواجه الشعراء أنفسهم، ما يجعلهم ينتجون قصائد لا تخاطب الوجدان، على خلاف فنون سردية أخرى، كانت أحدث من ذلك الكلام الموزون المقفى، فتهدد مكانته، وحضوره بين أصحاب الذائقة الفنية.
مثل هذه التساؤلات، تطرحها الشرق على عدد من المبدعين، والذين لم تتباين آراؤهم كثيرًا في أن هناك مهددات تؤثر في "ديوان العرب"، ما يجعلهم يطلقون صيحات تحذير بأهمية الارتقاء بالمنتج الشعري، ليصافح آذان المتلقي، ليستعيد فن القول مكانته وحضوره بين الجمهور.

إبراهيم الجيدة: الفنون السردية تحظى بالزخم والاهتمام الأكبر

حول تقييم الناشرين لنوعية الأجناس الأدبية المقدمة إليهم لنشرها، يستهل السيد إبراهيم الجيدة، مؤسس دار الجيدة للنشر ورئيس مجلس إدارة نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي، حديثه بالقول إن "الشعر حالة جمالية تجريدية ومجاز يحفر عميقا في اللغة يحتاج للخفة والتعمق والقدرة على صناعة الموسيقى داخل القصيدة وهذا ما يجعله منتجًا أدبيًا يحتاج لموهبة فطرية تكتمل بالفكر واللغة في الصناعة والبناء وهذا ما آمن به العرب والغرب".
ويستذكر في هذا السياق المثل الإنجليزي: a poet is born, not made، "وهذا يجعلنا أمام حقيقة أن الشعر كمنتج أدبي هو نتاج أشخاص استثنائيين لديهم الموهبة، ثقفوا أنفسهم بالمعرفة ليتمكنوا من صناعة الصورة التي تتحلى بالجِدة والتفرد وربما يفسر هذا الطرح فكرة أن الأكاديمي المختص بالأدب والشعر ليس بالضرورة أن يكون شاعرًا، بالرغم من معرفته بالبنية الشكلية للقصيدة ولغته القوية، إلا أنه مع ذلك لا يصنع حالة شعرية شعورية تصل لوجدان المتلقي".

ويقول: "في المقابل هناك أجناس أدبية أخرى خصوصا السردية (الرواية والقصة) تحتاج أكثر للمعرفة واللغة وهي أجناس تمتزج فيها المعرفة والبحث والتأمل في المعيش ومحاولة اصطياد المختلف وتفكيك الواقع". مفسرًا صعودها إلى أسباب منها أن الدارج الأدبي حاليا هو الرواية، "لأن الأديب محليًا وعربيًا أصبح متأثرًا بالدارج العالمي، حيث تتخذ الرواية المرتبة الأولى في الاهتمام، نتيجة للعولمة والانفتاح على الثقافات العالمية، إضافة إلى أن الفنون السردية تحظى بالزخم والاهتمام والجوائز الضخمة أكثر من الشعر، فجائزة البوكر العالمية للرواية هي الجائزة الأكثر ضخامة وزخمًا عالميًا".
ويتابع: إن "هذه الأسباب ساهمت في توجيه الذائقة العامة للأديب وللمتلقي إلى الرواية بكونها الجنس الأدبي الأكثر لمعانا ونجومية، كما أن الرواية الحديثة باتت نوعًا أدبيًا تتمازج فيه أنواع أدبية عديدة لا سيما الجملة الشعرية التي ميزت أعمال كبار الروائيين العرب، فضلًا عن توثيقها للتاريخ وتعمقها في النفس البشرية مما جعلها حالة متكاملة وجرعة عالية من المعرفة والجماليات والتوثيق الذي لا يخلو من المجاز للواقع ومساحة واسعة يجد فيها القارىء جل ما يريد".

د. زكية مال الله: الشعر ما زال يتمتع بمكانة كبيرة

ترفض الشاعرة الدكتورة زكية مال الله، القول بأن الشعر تراجع أمام الأجناس الأدبية الأخرى، فلكل فن دوره ومكانته بين الناس، وإن كان البعض يقبل على الرواية، فلكونها تجسد الواقع بمختلف مستوياته بشكل أكبر، ولذلك فإن المتلقي يقبل على قراءتها بشكل أكثر من الشعر، الذي قد يعتمد في أحيان كثيرة على غير المباشرة، وخاصة في الشعر الحديث، على خلاف القصائد العمودية التي تتمتع بنوع من المباشرة".
وهنا تحذر من خطورة إقحام التراكيب في القصيدة الشعرية، فضلاً عن خطورة التوجه بها إلى النخبة بشكل أكثر، ما يفقد القصيدة حضورها لدى المتلقي العادي، والذي لم يعد مقبلًا على الشعر كما كان قديماً، على نحو أيام العرب الأولى، عندما كان الشعر هو سيد الموقف، وصاحب الفن الأقوى، وفق ما كانت تعكسه الملاحم الشعرية، على عكس ما صار حاليًا من تباين ذائقة المتلقي واتساعها لتشمل فنوناً سردية، عكس فن القول".
وفي هذا السياق، تشدد د.زكية مال الله على ضرورة أن يحرص الشاعر على التجويد دائما، ليرتقي بمفرداته، التي تعكس شخصيته الشعرية، "خاصة وأن الشعر يكسب صاحبه براعة وفنوناً عديدة، قد تدفعه إلى كتابة فنون سردية أخرى، بجانب الشعر". غير أنها تعلق ذلك على موهبة الشاعر، وتمكنه من تنميتها، لينعكس كل ذلك على أسلوبه وعمق مفرداته".

محمد الجفيري: فقدان القامات أفقد الشعر بريقه ومكانته

يقول الكاتب محمد بن محمد الجفيري: إنه "يظل للشعر مكانته المتقدمة بين الفنون، فضلًا عن جمهوره وحضوره على الساحة الأدبية، كما أن أنه يحظى بمكانة خاصة عند عموم الناس لوقع مفرداته ولغته الموسيقية الجميلة، لما يثيره من حماسة، ودغدغة للمشاعر". لافتاً إلى أن بعض الشعراء استطاع الغوص في بحور اللغة العربية واستخرجوا من كنوزها الدرر والنفائس اللفظية التي حازت الإعجاب، وغدت أشعارهم أحد روافد الأقوال المأثورة والحكم البليغة في اللغة العربية.
ويتابع: إن "الشعر لسان العرب له مكانته الأولى عندهم منذ العصر الجاهلي وحتى الوقت القريب، ويبدو لي أنه باختفاء القامات الشعرية الكبيرة في الوطن العربي، فَقدَ الشعر بريقه ومكانته المتقدمة، وفُقدت الذائقة الجمالية التي كان يستعرضها الشعراء سابقا في قصائدهم، والتي كان يستشعر بها محبو الشعر وعشاقه، ولاشك أنهم قد فقدوها تقريبا الآن".
ويتساءل: "هل تراجع الشعر واحتل مكانه أو سبقة لون آخر من ألوان الفنون والآداب؟ مجيبًا بالإيجاب، "فالتغيير سنة كونية، ومزاج الرأي العام في كل مجتمع عرضة للتغيير في كثير من مناحي الحياة، ولو صادف أن الجمهور وجد أمامه فعاليات ثقافية وفنية متنوعة يتم إقامتها في مبنى واحد، وبجانبها قاعة يتهيأ فيها شاعر لإلقاء قصيدته، فإنه إزاء كل هذا الزخم الثقافي المتاح أمام الجمهور، فإنني لا أعتقد أن قاعة الشعر سوف تستحوذ على نصيب الأسد من الحضور الجماهيري، كما كان يحدث سابقًا، وستقتنع قاعات الشعر من الغنيمة بالإياب ولو بعدد محدود من الأفراد، وهذا حال الشعر اليوم على المستوى العربي كله".

د. زينب المحمود: الشعر يعاني تراجعًا في النشر

تقول الشاعرة الدكتورة زينب المحمود إن "الشعر يشهد في وقتنا الراهن تراجعًا واضحًا في مستوى النشر مقارنة بغيره من ألوان الأدب". وترجع ذلك إلى أن "الشاعر بات يكتفي بالتعبير عن مكنونات ذاته وعواطفه الخاصة، وهذا لا يجعله شاعرًا بالمعنى الحقيقي الذي يتجلى في امتلاك الشاعر للعالم ومن ثم جعل هذا العالم عالَمه الخاص، يجدد فيه ويطور على نحو متواصل. وقد مرّ بنا أدب عالمي انتقل إلينا عبر الأجيال وما كان له أن ينتقل إلا لأن أبطاله حاضرون بقوة في الذاكرة الإنسانية".

وتضيف أن "انشغال الشعراء بعوالمهم الذاتية على نحو مبالغ فيه أدى إلى تراجع مكانة الشعر في أروقة الأدب وفوق رفوف المكتبات في زمننا، ولو أن شعراءنا احتذوا حذو أبي العلاء المعري لما وصل الشعر إلى هذا الحد من التراجع، فعلى الرغم من عزلة أبي العلاء فإن شعره يعكس حيرة العرب والمسلمين في زمانه الذي ضج بفتن ونزاعات عدة أفسدت حياة الناس".
وترى أن ظاهرة تراجع الإقبال على الشعر في العصر الحالي ظاهرة عالمية لكنها تختلف في مستواها بين الشرق والغرب وتميل إلى مصلحة الغرب في كثرتها، "فبيع الدواوين في الغرب يفوق بيعها في الشرق، وأن الإقبال على المهرجانات الشعرية في الغرب يفوق الإقبال عليها في الشرق". مؤكدة أن "انحسار الشعر مرتبط بازدهار غيره من الفنون الأدبية وتحديدًا الرواية، وعلى مستوى العرب، فقد أضحت الرواية هي المرآة الأسطع التي تعكس الواقع العربي والقضايا الاجتماعية والسياسية والنفسية،... إلخ. فضلا عن أن الشعراء أصبحوا يميلون أكثر إلى القصيدة الشعرية التي لا تجد رواجًا لدى الذائقة العربية، ومن ثم تناولهم قضايا لا ترابط بما يدور حولهم".

كما ترى أن الشاعر العربي أصبح مثقلًا بهمومه الشخصية مثل النفي والاغتراب والعزلة التي تظهر جلية على معظم أعماله الشعرية وهذه الهموم لا تعني كثيرًا الجمهور، بل قد نكون أحيانا مبعثًا للعزوف عنها كونها محملة بالأوجاع والهموم والغموض" وتقول: إن تراجع مكانة الشعر أمام الفنون الأخرى مرتبط بالشاعر نفسه وبمدى إدراكه أن الشعر وإن كان ذاتيًا في ظاهره، إلا إن مدى ارتباطه بالواقع وما يدور حوله هو ما يحدد نسبة رواجه وازدهاره والإقبال عليه".

المصدر: