مبادرة "قلم ولوح" في الرباط.. تعلم الأجانب أسرار لغة الضاد

جذبتهم بسحر بيانها وغزارة مفرداتها، وبما تختزنه حروفها من أسرار وما تعكسه من تاريخ وحضارة، فجاؤوا إلى المغرب لسبر أغوار واحدة من أقدم اللغات في العالم.
كلير وفلافيو وزهرة يلدريم وغيرهم أجانب من جنسيات مختلفة قطعوا مسافات طويلة لتعلم لغة الضاد، فوجدوا ضالتهم في المركز اللغوي العربي "قلم ولوح" بالرباط.

ويلتقي هؤلاء مساء كل خميس مع شباب مغاربة في مقهى اللغة العربية لتبادل الحديث والأفكار بعربية فصيحة في قضايا راهنة ومتنوعة، يختبرون في هذا اللقاء الأسبوعي الذي يحتضنه المركز مهاراتهم اللغوية ومكتسباتهم في الصفوف، يدعون الرهبة جانبا وينسون الصعوبات ويندمجون في حديث بلسان عربي فصيح.

وبالنسبة للمغاربة، فالمقهى هو فرصة لمشاركة لغاتهم وثقافاتهم مع الآخر، واكتساب أفكار جديدة والانفتاح على حضارات مختلفة.

تقول منسقة الأنشطة الثقافية بالمركز اللغوي العربي "قلم ولوح" شادية الإبراهيمي للجزيرة نت إن مقهى اللغة العربية يتيح للطالب الاحتكاك مع العالم الخارجي، فينتقل من التعلم في الصفوف إلى ممارسة اللغة من خلال التواصل المباشر مع ناطقين بها من المغاربة.

وكما يختبر الطلبة الأجانب خلال هذه اللقاءات مستواهم اللغوي ويكتسبون مهارة الحديث، فإنهم يتعرفون أيضا على المجتمع المغربي، وينغمسون في أجواء ثقافية مغربية أصيلة تمكّنهم من معرفة طريقة تفكير الشباب المغربي خلال مناقشة قضايا ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية.



يتوزع المشاركون في المقهى في مجموعات صغيرة ويتحدثون بالعربية في موضوع محدد سلفا (الجزيرة)

من التعلم إلى الإبداع
ويحدد المركز كل أسبوع موضوعا معينا يكون محور الدروس في الصفوف، ثم يناقشه المشاركون في المقهى ضمن مجموعات صغيرة مختلطة بين طلبة أجانب وشباب مغاربة، يتبادلون فيها الأفكار والتجارب، يوظفون الكلمات التي تعلموها في الفصل الدراسي، ثم بعدها ينطلق نقاش عام يتداولون خلاله الخلاصات التي توصلوا إليها في مجموعاتهم الصغيرة.

غير أن مقهى اللغة العربية اكتسى هذا الأسبوع بحلة الاحتفال والاحتفاء لتزامنه مع اليوم العالمي للغة العربية. وقدم المشاركون في هذا الاحتفال إبداعاتهم في الشعر والموسيقى والقصة والخط العربي، تغزلوا بها وتفننوا في مدحها، وتنافسوا في وصف جمال كلماتها ورزانة حروفها وسعة معانيها وما تعلموه في رحلتهم معها.

تقول شادية إنهم يسعون -من خلال الاحتفال الجماعي بلغة الضاد- إلى تجاوز مرحلة تعلم اللغة العربية نحو مرحلة متقدمة يستطيع خلالها الطالب الأجنبي الإبداع بها.



إبداعات الطلاب بالخط العربي في إطار الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية (الجزيرة)

الحب يطوي الصعوبات
وبينما تحدث الإيطالي فلافيو عن إشكالات تعلم اللغة العربية في الجامعات الإيطالية، شاركت التركية زهرة يلدريم في هذه الاحتفالية بقراءة خواطر عن اللغة العربية وما تمثله لمليار مسلم في العالم.

تقول للجزيرة نت إنها جاءت للمغرب لدراسة الدكتوراه في العقائد، وبدأت قبل ثلاثة أشهر تعلم العربية في مركز "قلم ولوح"، ووجدت في اللقاء الأسبوعي بمقهى اللغة العربية فضاء مناسبا لتنمية قدراتها في العربية والتواصل المباشر مع المغاربة.

تعترف زهرة -التي درست العربية قبل ذلك في الأردن- بأنها واجهت صعوبات في بداية مشوارها مع هذه اللغة، لكن هذه المصاعب سرعان ما طواها حب تعلمها والرغبة العارمة في امتلاك ناصيتها، وتضيف "بصبر ومحبة، وخطوة تلو أخرى، تعلمت اللغة العربية واليوم أستطيع التواصل بها وقراءة المراجع والكتابة أيضا".

غير أن زهرة ترى أن تعدد اللهجات يعيق التواصل مع عامة الناس في الفضاءات المفتوحة، وهي الآن -كما تقول- أمام تحد جديد وهو تعلم العامية لمزيد من فهم الثقافة المغربية وأسلوب العيش في هذا البلد.



الأميركية ملينا جوسف بدأت تعلم اللغة العربية قبل شهرين في المركز اللغوي العربي بالرباط (الجزيرة)

من اللغة للتاريخ
أما كلير هولواي فقد جاءت من نيويورك إلى الرباط والأمل يحذوها لفك رموز لغة مختلفة عن لغتها الأم حرفا ونطقا. بدأت هولواي هذه الرحلة قبل سنتين ضمن برامج في جامعتي نيويورك وأريزونا، واليوم تستطيع قراءة النصوص بالعربية الفصحى والحديث مع الناس بها وبالعامية المغربية بعدما أكملت المستوى المتوسط.

كانت رغبة هذه الشابة أن تتعلم لغة صعبة ومختلفة بعدما درست الإسبانية في بلدها، فوجدت في العربية تحديا جديدا تسير بخطى حثيثة للنجاح فيه. وتحرص هولواي على المشاركة كل أسبوع في مقهى اللغة العربية لأنها تعتبر اللقاء فيه مفيدا لها وإضافة نوعية في رحلتها مع لغة الضاد.

وخلف هذا المسار رغبة لدى هذه الأميركية في التعرف على تاريخ الشرق الأوسط، وهو ما سيصير سهلا بالنسبة لها حين تتعلم العربية بوصفها لغة المنطقة، والطريق لمعرفة ثقافة وعادات وأفكار هذه المجتمعات.

إقبال متزايد
ويقبل الأجانب في المغرب بشكل لافت على تعلم لغة الضاد، وهو ما تؤكده شادية الإبراهيمي من خلال الأعداد المتزايدة للمتوافدين على المركز اللغوي العربي بالرباط، وتقول إن الطلاب يأتون من مختلف القارات والجنسيات من أجل تعلم الحرف العربي والتعرف على الثقافة العربية، وتضيف "اختلاف هذه اللغة وما تعكسه من تاريخ وحضارة، يغري المتعلمين فيقطعون المسافات الطويلة من أجل تحقيق متعة تعلم اللغة العربية".

وأمام ارتفاع الطلب على تعلم العربية من طرف الأجانب، قررت وزارة التعليم العالي بالمغرب إنشاء مراكز متخصصة في تدريس العربية للناطقين بغيرها في الجامعات المغربية، وأنشئ أول مركز سنة 2016 بجامعة محمد الخامس بالرباط استجابة لطلبات عدد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدولية التي طلبت توفير برامج لفائدة طلبتها.

المصدر :

المصدر:

جميع الحقوق محفوظة 2020 - مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black YouTube Icon
  • Black Instagram Icon