فهد الهندال: الكتابة الإبداعية لا تقتصر على الأدب

أكد الأديب والناقد فهد الهندال، في محاضرة افتراضية بعنوان "خلود الأدب"، أن الكتابة الإبداعية ليس بالضرورة أن تكون أدبية، فالأديب هو الذي يتمرس في أسلوب قراءة الواقع الاجتماعي الذي يعيش به، وقراءة التاريخ الماضي والحاضر.

أقامت رابطة الأدباء الكويتيين، عبر صفحتها في "إنستغرام"، محاضرة افتراضية بعنوان "خلود الأدب"، قدمها الأديب والناقد فهد الهندال، وحاورته عضوة مجلس إدارة الرابطة جميلة سيد علي.

وقال الهندال: "كثير من الأدباء لديهم مؤلفات عديدة، ازدحمت بها المكتبات، مثل دائرات المعارف، في المجالات، والمقالات وفي المناسبات، لكن وسط هذا الازدحام يبقى ذكر هذا الأديب أو الكاتب محدودا بنفس السياق الزمني والاجتماعي الذي يعيش به، وبمجرد رحيله ترحل معه هذه الإنجازات والمنجزات، والدليل على ذلك أن الكثير من الأدباء لا أحد على دراية بهم مع ما يملكونه من رصيد، لكنهم لم يكونوا فاعلين في المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه".

وأضاف أن "الخلود الأدبي المقصود منه هو متى ما كان هذا الأديب أو الكاتب فاعلا في مجتمعه من خلال تبني قضايا مجتمعه في أعماله، أو تصديه لبعض قضاياه على الساحة الثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وأن يكون حاضرا في المحافل والمناسبات، وأن يكون خارج الحلقات المغلقة وخارج بما نسميه الدوائر الضيقة، وخارج الأوساط النخبوية، وهنا أستطيع أن أقول إن هذا الكاتب أو الأديب سيحظى بخلود أكبر من الكاتب الآخر".

رصيد كبير

وتابع الهندال: "هذا لا يعني أن الكاتب الأول الذي ربما لديه رصيد كبير من الكتب لكن ليس لديه رصيد من التفاعل في مجتمعه سيبقى مجهولا، ولكن سيتعرف عليه القارئ أو المتلقي أو أبناء مجتمعه بعد فترة طويلة، وكثير من الأدباء لم نتعرف عليهم حتى الآن بعد وفاتهم بأكثر من خمسين أو ستين سنة".

ولفت الى أن "هناك دراسات كثيرة تفيد بأن سبب الجهل بهؤلاء الأدباء ليس عدم تسليط الضوء عليهم أو أنهم يصنفون بأنهم مظلومون إعلاميا، فقد كانوا فعليا يكتبون ويذهبون إلى الناشر، وتصدر كتبهم ويقرأها الناس أو لا، وكان حضورهم في الأدب أو في المجتمع أو في عالم الأدب من البيت إلى المطبعة والعكس، ولا توجد لديهم أي مشاركات".

الكتابة الإبداعية

وتطرق الهندال إلى الفرق بين الكتابة الإبداعية والأدبية، قائلا إن الكتابة الأدبية هي في الأصل كتابة إبداعية، لكن الأخيرة ليس بالضرورة أن تكون أدبية، فالأديب هو الذي يتمرس في أسلوب قراءة الواقع الاجتماعي الذي يعيش به، وقراءة التاريخ الماضي والحاضر وما قد يستقرئه في المستقبل، وأن يكون عنصرا فاعلا في تحريك قضايا المجتمع، ونبضا فاعلا ومستمرا وحاضرا، حتى وإن كانت مؤلفاته قليلة وتعد على الأصابع، فمثلا الروائي السوداني الطيب صالح لديه ثلاث روايات فقط ومجموعة قصصية، لكن مؤلفاته وكتاباته بالصحافة وحضوره السردي والقصصي أو حضوره من خلال الصحافة كان له تأثير كبير في تحريك الشارع السوداني.

وأردف: "إذن هو الأديب الضمير الحي لدى المجتمع باختلاف الزمن"، وذكر أنه في بعض المناسبات نستذكر فهد العسكر، الذي توفي منذ زمن طويل، لافتا إلى أنه - أي العسكر - كانت لديه كلمات وقصائد، تحرّك المشاعر إلى هذا اليوم، وهنا أسمّي هذا "الفعل الخالد" الذي يبقى ويستمر حتى مع تقادم الزمن، وكثير من الأعمال التي نطلق عليها وصف "أعمال خالدة"، لو نرجع إلى ما قبل التاريخ ومثال على ذلك هوميروس، وما تزال تلك الأعمال تقدّم بصورة مختلفة.

وأفاد بأن الكتابة الإبداعية هي أول الطريق، وتعلّم أسلوب الكتابة القدرة على الخيال، ونركز على كلمة القدرة على الخيال، ذلك أن الإنسان الناجح والمستثمر لعقله، ولديه قدرة كبيرة على الخيال هو المبدع، مشيرا إلى أن المبدع ليس بالضرورة في الكتابة، ولكن قد يكون بالفن أو الحرفة، حتى في التعامل مع الناس، حتى في السياسة وغيرها، تلك من الأشياء التي يستطيع الإنسان أن يدربها ويتمرس عليها من خلال قدرته على الخيال، فهو ليس قضية الخيال العلمي، وإنما تكيف هذا الواقع لأفكارك.

تفاعل الأديب

من ناحية أخرى، تطرق الهندال إلى فكرة تفاعل الأديب مع مجتمعه، واستذكر الأديب الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، موضحا أنه من الأدباء القلائل في الكويت، فقد كان له حضور في منتديات وفعاليات كثيرة، وأسس منتديات، وأصبح قبلة لكتّاب شباب من الجنسين، وأيضا كان الكتّاب الكبار المستمرون يأخذون رأيه في أعمالهم. وأضاف أن الراحل كان حاضرا في مواقف مختلفة من الحياة. وأعطى الهندال مثالا آخر عن تفاعل الأديب، وهو د. خليفة الوقيان، فقال عنه: "مثقف ومفكر، ويمثل الأديب التنويري من خلال قصائده ودواوينه التي أصدرها، وآرائه ومقالاته التي يكتبها يرصد فيها واقعا اجتماعيا معيّنا أو سياسيا أو ثقافيا في الكويت".

وأضاف أنه "هنا أستطيع أن أقول متى ما كان الأديب فاعلا في مجتمعه، سيترجم هذا التفاعل في وقت ما في حياته أو بعد ذلك، ليخرج من النمط المحلي إلى الإقليمي وربما العالمي"، مشيرا إلى ذلك لا يكون إلا من خلال الترجمة، لأن الثقافات الأخرى بحاجة إلى جسور لنقل معارفك وخبراتك والأسماء التي أسست لديك من خلال الترجمة، مؤكدا أنها تلعب دورا في خلود هذا الأديب، فكثير من الأدباء لا نعرف عنهم ولم نقرأ لهم في لغاتهم الأصلية، لأننا لا نعرف هذه اللغات، لكن قرأنا لهم من خلال الترجمة. وأعطى الهندال مثالا عن أفضل من ترجم لنا الأدب الروسي، وهو سامي الدروبي، لافتا إلى أنه بعد ذلك ظهر على الساحة عديد من المترجمين ومنهم شباب.

من جانب آخر، قال الهندال "من يعتقد أن الانطلاق إلى العالمية من خلال وسائل وفرص محدودة لن تستمر طويلا، ومثال على ذلك من خلال جائزة ربما أو حضور ندوة عالمية، بخلاف الأدب الذي ينتقل من خلال الترجمة، وتكون به استمرارية".

وذكر أن الرواية ممكن أن تنقل إلى جمهور آخر من خلال العمل المسرحي مقتبس من الرواية أو من خلال فيلم سينمائي، لافتا إلى أن بعض الروائيين تحولت أعمالهم إلى أعمال سينمائية، مثل إحسان عبدالقدوس، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، مبينا أنه عندما تحولت أعمالهم إلى أعمال سينمائية، أصبح لديهم جمهور جديد تكتسبه، وكذلك الأمر بالنسبة للمسرح. وأكد أن هناك قنوات اتصال بين الفنون الأدبية تكمل بعضها البعض، وتحقق الاستمرارية فيما بينها، وتكون أيضا محققة لعنصر الاستمرار.

المصدر:

جميع الحقوق محفوظة 2020 - مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black YouTube Icon
  • Black Instagram Icon