سليمان الشطي: الشعر له المقام الأول في الثقافة العربية

سليمان الشطي: الشعر له المقام الأول في الثقافة العربية

أقامت رابطة الأدباء الكويتيين، عبر صفحتها بـ«إنستغرام»، محاضرة أونلاين بعنوان «السرديات الكبرى في التراث العربي»، للأديب د. سليمان الشطي، وقدمتها عضوة مجلس إدارة الرابطة جميلة سيد علي.

في البداية، قال د. الشطي «في السرديات أولاً ننتبه إلى نقطة أساسية، هي أن الأدب العربي غني ومتنوع شامل، ويمكن للنظرة الأولى أن تتجه إلى الشعر، لأنه أخذ المقام الأول في الثقافة العربية، لكن هذا التراث العربي له في مجال السرديات أعمال رائعة جداً ومتميزة يحار الإنسان وهو يختار، فهناك العشرات من الأشياء، ولكن إذا حاولنا أن نقسمها إلى أقسام وأنواع وأصناف سردية فسنجد أنه من الممكن أن نختار نماذج، وكل نموذج يدل على حالة من الحالات، وسأختار 5 وقفات أو سرديات كبرى منها «كَلِيلَة ودِمْنَة» وهو كتاب معروف للمقفع، والبخلاء للجاحظ، والمقامات لبديع الزمان، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وحي بن يقظان، وكل واحد من هؤلاء يمثل مسارا في السرد ليس عاديا».

صفات جامعة

وتطرق د. الشطي إلى تلك النماذج التي ذكرها، ومنها كتاب «كَلِيلَة ودِمْنَة»، الذي تحدث عنه قائلا «أولا الكتاب له أصل هندي، ولكن شتان بين الأصل والصياغة التي يعرفها العالم، وصياغة المقفع فريدة من نوعها، كأنه أعاد الكتاب وأعاد الحكاية كما هي، أي بناها، والمقفى يتميز بأسلوبه ولغته وترتيبه ونسجه، ويمكن أن نتوقف عند الاختيار والدلالات.

واختار المقفع قصص الحيوان لكشف ما يوجد حولنا في الحياة، وهذه الحيوانات التي نتحدث عنها ونختارها بينها صفات جامعة والإنسان، كل حيوان يدل على صفة إنسانية، الإنسان فيه انطوى العالم الأكبر فيه، أما الحيوانات فلا نقول جزئيات ولكن كلها تقدم خصلة من الخصال، لذلك الحكمة الشرقية تجلت في هذه الحيوانات، وقدمها لنا بأسلوب يشكل لنا العقل والتصور للحياة، ليس وصفا خارجيا، لكن يأخذ صفة الحيوان ليجسد فيها صفة من صفات الإنسان، كالمكر، والخداع، والطيبة، كل صفة موجودة بذاتها، لذا فإن هذا وصف خارجي لداخل الإنسان ذاته».

المخرج الفني

وقال د. الشطي إن «الأصل الهندي حكى حكايات الحيوانات، لكن ابن المقفع وضع فيها دلالات سنكتشف جزءا منها ركز على عدة أنواع من الأدب، ومنها أدب الحكام، الرعية، النفس الإنسانية كما هي، وأدب العلاقة بين البشر أنفسهم، إذن يوجد بُعد أخلاقي، فلسفي، وأدبي، وسياسي، لكن أهم شيء المخرج الفني لنرى كيف استطاع المقفع أن يخلق من بناء أدبي، فقد قص قصة تلحق قصة أخرى مترابطة في بنية محكمة ودقيقة جداً».

وأضاف أن المقفع لديه تعبيرات من أغرب ما يمكن، ولا يمكن أن تستبدلها بشيء، وأعطى د. الشطي مثالا لإحدى القصص في كتاب «كليلة ودمنة» في باب «الأسد والثور»، الذي تضمن أبعاداً أخلاقية وسياسية، مؤكدا أن الكتاب في مجمله به لغة، وبيان، وحبكة قصصية، وتصوير دقيق، فيه الظاهر والباطن.

«البخلاء»

أما في حديثه عن النموذج الثاني، وهو كتاب «البخلاء» للجاحظ، فأشار إلى أنه في كل كتبه يقدم لنا فتحا، ففي كتاب «البيان والتبيين» قدم لنا فتحا في جانب البيان العربي، وكتاب «البخلاء» بالذات اختار نموذج البخيل أولا، لأن فيه جانبا مهما في هذه القضية، هو لماذا اختار شخصية البخيل، وعلق قائلا «البصرة كانت العاصمة الاقتصادية للخلافة آنذاك، ولا يكون الإنسان بخيلا إلا عنده مالا، الفقير ليس بخيلا، لذلك نموذج البخيل يأتي أين؟ في البيئة التي فيها مال، والجاحظ اختار كتابا يمثل هذا البُعد الثقافي جسد فيه البصرة التجارية، إذ أصبحت قيمة المال كما هو في عصرنا الآن، من لديه مال فهو له حيثية معينة، ويتضمن الكتاب قيمة اقتصادية، وأدبية، تاريخية، وأيضا اجتماعية.

وأشار إلى أن الشح والبخل منذ القديم نموذجان بشريان، وقد استهويا الكتّاب، فعلى سبيل المثال نذكر مسرحية للأديب الفرنسي موليير «البخيل»، ومسرحية رومانية لبلاوتوس عنوانها «جرة الذهب».

ووضع د. الشطي عدة تساؤلات عن الجاحظ، وقال عندما اختار البخلاء كيف ناقشها، وكيف اختلف عن غيره من الكتّاب؟ ليجيب قائلا «البخيل عند الجاحظ هو بخيل واقعي فهو يسمعنا صوته، ومنطقه، وصورته، والبخيل عند الجاحظ شخصية البخل جانب وليس كل الجوانب، واختار شخصيات يكون البخل لديهم صفة، لكن لديهم صفات أخرى قد تكون إيجابية، وأيضا أدرك الجاحظ أنه عندما تريد التحدث عن البخيل، اجعله هو الذي يتحدث.

وقال د. الشطي «الجاحظ عرف عنه الوصف الدقيق ومشهور به، وهو كاتب قصصي من الدرجة الأولى، وطبيعته أنه كان كاتبا ساخرا، وإذا كتب شيئا يحتشد له، ويبحث في تفصيلاته حتى انهم قالوا إنه واحد من هؤلاء البخلاء لصدقه واحاطته، فهو أديب فنان».

المصدر: