خالد الرشيد يبحث في نشأة اللهجة الكويتية وأسرارها

خالد الرشيد يبحث في نشأة اللهجة الكويتية وأسرارها

كتاب «البدْليّة» للباحث خالد عبدالقادر الرشيد، جاء انسجاماً واستكمالاً للدور الذي التزم به في التنقيب عن جذور اللهجة الكويتية ومظاهرها.

بعد سلسلة إصدارات تناولها، بدءاً من موسوعة اللهجة الكويتية وقاموس المصطلحات البحرية والموسوعة الميسرة لألفاظ الحياة الاجتماعية، ثم عدد من الأعمال النقدية، مروراً بكتاب "الفاظ اللهجة الكويتية ذات أصل مجهول"، وصولاً إلى أحدث إصداراته، يكون الباحث خالد عبدالقادر الرشيد قد بلغ الإحاطة والتعمق في دراسة اللهجة الكويتية جذوراً ومظاهر.

اختار الرشيد كلمة "البدْلية" للدلالة على مدى تبحره في استخدام اللهجة الكويتية، فهي أشبه بنقطة نظام، لتعديل وتصحيح أي لفظ تسمعه من الآخرين، وأقرب إلى كونها "رقيباً لغوياً"، وعندما يسمع أحدهم صوت كلمة يختلف عن الصوت الذي اعتاد على سماعه، يعترض على اللفظ أو ربما قد يسخر منه، ولذلك من شأنها أن تعيد تصويب وتصحيح الخطأ، ولهذا سميت "بالبدْلية".

يسعى المؤلف إلى شرح نشأة اللهجة الكويتية وأسراراها، "كالتقاليب" و"الإبدال" و"الإدغام" وأصول أصوات اللهجة... وتلك محاولة متواضعة، لكنها غنية للكشف عن أسباب "إبدال" الأحرف من جيم إلى ياء، ومن قاف إلى جيم قاهرية، وتفكيك أحرفها وتتبع أصولها اللغوية بالاعتماد على مراجع تراثية.

غاية الكتاب أن يكون مرجعاً للباحثين في تتبع أصول أصوات أحرف اللهجة والعوامل التي أثرت فيها.

من أين أتت؟

ورداً على سؤال وضعه في مدخل الكتاب، من أين أتت اللهجة الكويتية؟ يستعرض تاريخ العتوب واحتكاكهم مع أهل قطر على مدى 50 عاماً، وتوجههم إلى بر فارس ومنطقة "المخراق" وانتقالهم إلى الصبية، إلى أن وصلوا إلى "منطقة عبور قوافل الحجاج والتجارة"، ثم تبعهم أبناء عمومتهم وأتوها مهاجرين من نجد وسكنوا في منطقة وصلوها من جهة "شروق الشمس"، ولذلك سميت بـ "شرق"، والأخرى سميت "القبلة" تلفظ "جبلة" ويقصد بها قبلة الصلاة، نسبة لأهالي منطقة شرق.

بين «شرق» و«جبلة»

أسباب الاختلاف باللهجات بين أهل "شرق" وأهل "جبلة"، كما يقول الباحث، عائد إلى أن سكان "شرق" مروا على عدة دول أثناء هجراتهم وترحالهم واحتكاكهم بعرب آخرين ودول الجوار إلى أن استقروا هنا، وكان هذا التأثير الأول على لهجتهم.

أما التأثير الثاني فكان بسبب الطاعون الذي أصيب به أهل الكويت وقضى على كثير منهم، حتى كادت تصبح قفراً يباباً، لولا المسافرون الذين لم يأتوها إلا بعد صفاء جوها من الظلمة... فاضطروا إلى استقدام نساء من نجد والزبير وحتى الهند، فالكويتي لم يكن يعرف "البرياني" أو "ورق العنب".

أما التأثير الثالث فكان سنة "الهيلق"، عندما أصابت المجاعة بلاد فارس والجزيرة، ونزح أهلها إلى الكويت، في حين كان التأثير الرابع "سنة الطبعة"... وغيرها، إضافة إلى الانفتاح العربي الذي أتى بألفاظ ومسميات جديدة، وقد أورد جملة من المؤثرات الأخرى، منها تأثير هجرة أهالي فيلكا على مدن الكويت.

يؤكد الكاتب أن لهجات الكويت تأثرت بقبائل الجزيرة العربية، فكل قبيلة تركت أثراً في اللسان الكويتي، قلب الجيم ياء وقلب القاف جيماً قاهريا أتى من قبيلة بني تميم، وقلب الكاف جيماً فارسية هو من قبيلة أسد، وقلب الضاد ظاء من قبيلة بني ضبة، وقلب الألف ياء لغة هذيل.

ووفق دراسة الرشيد، هناك "خمس أو ست" لهجات، على الأقل، وهي "جبلة، وشرق، والقروية، وفيلكا، والعوازم، والقبلية أو البدوية"... وتختلف فيما بينها اختلافاً طفيفاً عن لهجة الحاضرة، أما القبلية فالاختلاف واضح ومميز.

خصائص المنطقتين

يخصص الباحث فصلاً لـ "المجتمع الشرقي"، ويقصد منطقة "شرق"، والذي يضم أخلاطاً من الفرس وبعض الأسر التي هاجرت مع آل الصباح... وفيه طائفة من الأعاجم السنة والشيعة وثلة من اليهود، وترجع أصول معظمهم إلى إيران والعراق والأحساء.

وبشأن المجتمع القبلي "الجبلي" فيتكون بغالبيته من أصول نجدية و"قبلية"، وجل القاطنين من الأسر التي هاجرت من نجد والبادية.

أما امتداد منطقة "جبلة" فيشمل الشويخ السكنية، والشامية، وكيفان، والعديلية، والنزهة، بينما امتداد منطقة "شرق" هو بنيد القار، والدعية، والمنصورية... ويعرف المجتمع "الجبلي" بالانغلاق على نفسه، فقد عاشوا منعزلين عن الآخرين.

مَنْ يتقن اللهجة؟

وفي فصل آخر، يعمل الرشيد على تقريب فكرة كيف لشخص أن يتقن اللهجة الكويتية؟ ويضرب على ذلك مثلاً، فمن استطاع أن يتقنها سيجد نفسه حائراً أمام توظيف الكلمة في مكانها المناسب، مثلاً:

- فلان يرجف من الخوف

- فلان يريف من البرد

وهذه جمل خطأ، إذا بحثت بجذر الكلمة ستجد أن يرجف تعني يرقف من البرد، أي أنه يرعد من القشعريرة... وهنا يأتي قلب القاف إلى جيم، كما في كلمة "حريقة".. و"حريجة" أو "عتيق" و"عتيج"، لذلك كلمة يرقف تصبح يرجف... وهكذا.

كلمات دخيلة

وينصح المؤلف من يود عمل بحث صوتيات وتقاليب الأحرف حول لسان قبائل "مضر، وأسد، وبني ضبة، وبني تميم، وهذيل، أن يبدأ في لهجة أهل "جبلة".

ويسرد في متن الكتاب كلمات باللهجة الكويتية، بحسب الحروف الهجائية، ويورد جدول مقارنة بين بعض الكلمات التي تبين الفرق ما بين لهجة "شرق" وجبلة" وعددها 38 كلمة.

فأهل شرق يقولون "طاقية" وأهل جبلة يقولون عنها "قحفية"، وأهل شرق يقولون "هذه عبايتي" وأهل جبلة ينطقونها "عباتي".

أكثر الفصول مدعاة للمطالعة، الخاص بالكلمات الدخيلة أو ذات الأصل المجهول، وفي هذا الباب يذكر ما تيسر له من كلمات ذات أصول غير عربية أو أصلها مجهول، على الأقل من جانبه؛ لأنه لم يتوصل إلى معجم يستند إليه للاستدلال على أصل الكلمة.

المصدر: