العثور على قصائد مجهولة لشاعر الحب والإلتزام بابلو نيرودا

العثور على قصائد مجهولة لشاعر الحب والإلتزام بابلو نيرودا

خمسة عقود مرت على رحيل الشاعر الشيلي الكبير بابلو نيرودا (1904 ــ 1973)، وما زال هذا العملاق يخبئ مفاجآت سارة. فبعد قصيدته الملحمية الطويلة “أنشودة المأثرة”، التي كتبها عام 1960 وبقيت مجهولة حتى صدورها عام 2016 برفقة ترجمتها الفرنسية عن دار “زمن الكرز”؛ عثرت “مؤسسة بابلو نيرودا” حديثاً على قصائد مجهولة له أفلتت من القراءة والترتيب اللذين أجرتهما أرملته ماتيلد أوروتيا لأرشيفه الخاص. قصائد بات بإمكاننا قراءتها اليوم إثر ضمها إلى القصائد الـ 21 التي اكتشفتها هذه المؤسسة عام 2014، وأصدرتها دار “سيغريس” الباريسية تحت عنوان “قدماك، ألمسهما في الظل” (2016)، برفقة ترجمتها الفرنسية. إصدار لا تكمن قيمته فقط في منحه إيانا نصوصاً شعرية غير منشورة لنيرودا، بل في وضعه أيضاً تحت أعيننا هذه النصوص كما خطها الشاعر بقلمه الناري.

وقبل التطرق إلى طبيعة هذه القصائد ومضمونها، لا بد من التوقف عند المغامرة المثيرة التي أدت إلى اكتشافها. مغامرة انطلقت عام 2011، مع قيام “مؤسسة نيرودا” بجهدٍ جبار بغية فهرسة أوراق الشاعر المكتوبة بخط يده وتلك المطبوعة على الآلة الكاتبة. جهدٌ قاد إلى وصفٍ دقيق لكل واحد من نصوصه، إلى تحديد الكتاب الذي صدر لاحقاً فيه، إلى التحقق مما إذا كان كاملاً أم لا، وإلى مقارنته بنسخته الأخيرة المطبوعة.

المخطوطات الأصلية

وبالنتيجة، شكل هذا الجهد رحلة استثنائية في عمق شعر نيرودا وماديته الأولى. ولا مبالغة في هذا القول، فالعمل على النسخ الأصلية يعني التواصل مع ما يمكن أن نسميه نبض الشاعر، ودراستُها بمثابة العودة إلى لحظة الخلق الشعري الأولى. وفي معرض وصفه هذا العمل، يقول مدير مكتبة وأرشيف “مؤسسة نيرودا”، داريو أوسيس، في مقدمته للكتاب الصادر حديثاً: “في “موجة عاصفة”، يصف نيرودا العضويات والنفايات التي يودعها البحر على رمل الشاطئ. لدى دراستنا مخطوطاته، كان يتملكنا الانطباع أحياناً أن أمواجاً من الأبيات الشعرية كانت تنزلق على الورق، ومع تراجعها، تذهب بالكلمات المُبعَدة والمصححة، تاركةً أمامنا النسخة الأكثر اكتمالاً من كل قصيدة”.

قيمة هذه المسودات تكمن أيضاً في إنارتنا حول النسخ الأولى من قصائد الشاعر، ومن خلالها، حول سيرورة تطور كل قصيدة لبلوغ شكلها النهائي، بالتالي حول مختلف مراحل خيمياء إبداعه. تنيرنا أيضاً حول ركائز كتابته المتنوعة: دفاتر مدرسية من الخمسينيات والستينيات، أوراق متفرقة، دفاتر عادية محلية أو أجنبية بأشكال مختلفة، بعضها يحمل علامات غريبة، كراسات جامعية، وأحياناً كان نيرودا يخربش على قوائم الطعام والبرامج الموسيقية الموزعة على متن البواخر التي كان يستقلها خلال أسفاره، فتتغلغل أبياته الشعرية بين أسماء المقبلات والأطباق الرئيسية والحلويات، أو بين أسماء الموسيقيين وعناوين معزوفاتهم.

طابع استثنائي

وفي ما يتعلق بالقصائد المطبوعة على الآلة الكاتبة، نرى أن بعضها يحمل تصحيحات طفيفة بالقلم، وبعضاً آخر يحضر بلا أي تعديل، ما يعني أن الشاعر كان يكتب نصوصه بخط يده في البداية، قبل أن يعمد إلى تبييضها على الآلة الكاتبة. لكن عدداً قليلاً منها لم ينصاع لهذا المسار، وفقاً لأوسيس، وهو ما يمنحه طابعاً استثنائياً ويجعله مثيراً للاهتمام: “عند الوهلة الأولى، لا شيء في هذه النصوص كان يشير إلى وضعها الخاص. ولذلك، نقبنا في جميع دواوين نيرودا وأنطولوجياته، متوقعين العثور عليها. كما لو أنها كانت مختبئة في غابة مخطوطاته الأصلية، مموهة بين آلاف الأوراق والكلمات، كي تحافظ على كل قيمتها كنصوص غير منشورة”.

وهذه النصوص تحديداً هي ما ينتظرنا في “قدماك، ألمسهما في الظل”. نصوص تغطي فترة طويلة من حياة نيرودا تمتد من أوائل الخمسينيات حتى وفاته عام 1973، وتحضر في كتابه الجديد كما خطها، من دون أي تعديل، مع احترام إملائها الفريد الذي تنتفي فيه علامات الترقيم. نصوص من المهم الإصرار على أنها ليست بأي حال من الأحوال تنويعات من قصائد أخرى معروفة، بل تملك هويتها الفريدة، وتنتمي في مضمونها إلى موضوعات الشاعر الكبرى: الحب، الوطن وطبيعته، العالم والأشياء التي يتألف منها، السيرة الخاصة، واجبات الشاعر، الأسفار، إضافةً إلى التمثلات والصور الشخصية.

لكن هل تستحق هذه النصوص أن تُنشَر؟ سؤال مشروع يتوارى من ذهننا ما إن ننطلق في قراءتها. فعلى الرغم من بعض الشذرات الركيكة لكونها مقتطعة أو غير مكتملة، تفرض هذه القصائد نفسها على قارئها بنفس البداهة والقوة اللتين تتمتع بهما القصائد المنشورة. بالتالي، لا يتعلق الأمر بمسودات رماها صاحبها في أحد أدراجه لعدم اقتناعه بها، بل بنصوص يحضر نيرودا كاملاً فيها. نيرودا صاحب “إقامة على الأرض” و”النشيد الشامل”، وأيضاً “مئوية حب” و”عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة”. يحضر بعشقه لرفيقة دربه ماتيلد، بالتزامه قضايا الشعوب المضطهَدة، وبافتتانه بالطبيعة.

“أبداً لست وحدي معك”

القصائد الست الأولى في الكتاب تشتعل بنار الحب: “أبداً لستُ وحدي، معكِ/ على الأرض/ عابراً النار”. وفيها يولد الشاعر مجدداً داخل العالم بفضل حضور الحبيبة، بينما يزول الواقع من دونها: “معتمٌ ليلُ العالم من دونك يا حبي”. ولكتابتها، شحذ نيرودا، كعادته، لغة مشحونة بشهوانية قصوى، تقول بكلمات بسيطة اتحاد الحبيبين الحميم، وضمن هذا الاتحاد، علاقة الشاعر المؤلمة بالعالم، والتحامه الحسي بعناصر الطبيعة وكائناتها. لغة تفتننا بغزارة صورها المبتكَرة والمعبرة، وبالإيجاز الشديد المعتمَد فيها: “أنتِ وأنا الأرضُ وثمارها”، أو “حبٌ لا ينضب خمرُنا”.

وفي القصائد الأخرى، يتناول نيرودا الموضوعات الثابتة في عمله الشعري، فنراه يحتفي تارةً بالسفر: “يتنقل على كيفه/ ويغير نجمه مثل قميص”، وتارةً بوطنه: “علَمٌ لونته القرون رويداً رويداً من فرط الدم والعذاب”، وتارةً بأبناء وطنه: “عرفتُ رفاقاً/ سيدافعون دائماً عني/ لأن شعري تسلم/ فور نطقي به/ ميدالية آلامهم”. قصائد تتميز بقوة لغتها التي تعانق الصغير والكبير، وكل تجليات الكون، بيُسرها ورحابتها، وتسقي بحدتها أبياتاً تتراوح بين قصير وطويل، مروراً بالبيت الإسباني الكلاسيكي ذي الـ 11 مقطعاً صوتياً. قصائد بأصداء وموضوعات متعددة، لكن بإيقاع واحد فريد يمكن التعرف إليه فوراً. إيقاع صوت شاعر كبير حاول عنف التاريخ إسكاته، لكنه ما زال ينشد ويشهد.

يبقى أن نشير إلى أن حضور هذه النصوص بخط يد نيرودا في نهاية الكتاب، أي كما تركها بعدما فرغ من كتابتها، يشكل مصدر دهشة وإعجاب إضافيين لنا نظراً إلى قلة التشطيب أو التصحيح فيها التي إن دلت على شيء فعلى قوة هذا العملاق الإبداعية ونعمة حلول الوحي الشعري عليه مكتملاً. وحيٌ قد يفسر هذا البيت في إحدى قصائده: “لا أعرف/ لا خط ولا يد/ مَن كتب هذه الجملة”.

من القصائد المكتشفة: القصيدة الخامسة: “في السماء أقتربُ/ من برقِ شعركِ الأحمر/ أنا من تراب وقمح، وحين أقترب/ تتحضر ناركِ/ تُلهِبُ داخلي / الحجارة والطحين/ فيكبر قلبي ويرتفع/ ويصير خبزاً لفمكِ/ ودمي النبيذ في انتظارك./ أنتِ وأنا الأرضُ وثمارها/ من خبزٍ ونارٍ ودمٍ ونبيذٍ حبنا”.

المصدر: