«المنحول في كتب الشافعي» محاضرة بمركز الجاسر الثقافي

«المنحول في كتب الشافعي» محاضرة بمركز الجاسر الثقافي

قال الأستاذ الدكتور عبدالسلام الشويعر في مستهل محاضرة عن الإمام الشافعي، جرى عقدها بمركز حمد الجاسر الثقافي مؤخراً، إنه لو لم يُقل فيه إلا وصف الإمامة لكان كافيًا في الدلالة على مكانته، جازمًا أنه لم يأتِ بعد القرون المفضلة -القرون الثلاثة التي كان آخر القرون شيوخه والأعصر الثلاثة الأولى- رجلٌ ملأ الدنيا بعلمه ولا أثره الذي بقي إلى ساعتنا هذه مثل الإمام الشافعي؛ بل لا يكاد يوم يأتي إلا ويُذكر اسمه على منبر من منابر الجمعة أو مجلس علم، وأضاف: «ويكفي في الدلالة على مكانته أن أهل العلم لم يجمعوا أنّ أحدًا يصدُقُ عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أنّ الله عز وجل يبعث على رأس كل قرنٍ من يجدد لهم دينهم» لم يتفقوا إلا على اثنين: عمر بن عبدالعزيز على رأس المئة الثانية ومحمد بن إدريس الشافعي على رأس المئة الثالثة».

وجاءت هذه المحاضرة بعنوان: «المنحول في كتب الشافعي» والتي قدمها في ختام الموسم الثقافي لهذا العام لمركز حمد الجاسر الثقافي، وأدارها د. عبدالله العريني بدارة العرب.

وركز الشيخ الأستاذ الشويعر في محاضرته على أمرين مهمين، أولهما: الحديث عن الكتب، والثاني: الحديث عن إمام من أئمة المسلمين وهو الشافعيّ -رحمه الله-، وقال: «إن الحديث عند عشاقها والمعتنين بها وهواتها هي أنس حديثهم وفاكهة مجالسهم في الحديث عن أصولها والمنقوص فيها».

وقال: «إن الحديث عن الشافعي بحرٌ لا ساحل له، وإن الله قد جمع للشافعي أمرًا قلّما يجتمع لأحد مثلما جمع له، فقد اجتمعت له الأمور الأربعة وهي: معرفة العلم والبيان عنه والتدليل له والمجادلة فيه والمناظرة، وهي قلما تجتمع في أحد».

وأشار إلى أنّ المنحول عن الشافعي تارة يكون من الشعر وأخرى في آراء فقهية وما يتعلق بالقصص والأخبار، وقصر حديثه على ما نُحل له من كُتب مفردة انتشرت بين الناس وهي ليست من كلامه.

وبيّن أن الشافعي قد رحل لليمن ثم رحل بعد ذلك للعراق ورحلته لليمن كانت لليمن ولجنوب الجزيرة العربية، دخل فيها صنعاء وجيزان وبلاد وادعة ونجران وتعز وغير هذه البلدان، وذلك بعد وفاة مالك، ونقل بعض الأخبار التي جاءت في رحلته لليمن، مؤكدًا أن زيارته كانت لمسائل حديثية ليتحقق من ذلك، وقد روى عن قضاتها، مستعرضًا بعضًا مما نقله عن اليمن.

وأوضح أنّ الإمام الشّافعي أّلّف كتبًا كثيرة، فألف في العراق، ولم يبقَ منه شيئ وإنما هي نقولٌ ينقلها بعض العراقيين عنه من هنا وهناك، وقد نقل جمعًا منها البيهقي في «المعرفة»، وألف الشافعي في مصر أيضًا، وسبب ما فعله عندما انتقل إلى مصر أنه نقّحها وحسّنها وزاد عليها ما تعلّمه من أحاديث لم يكن قد اطلع عليها في رحلته الأولى، ولذلك قال الإمام أحمد عن الشافعي عندما سئل أيهما أولى كتبه التي ألفها في العراق أم كتبه التي ألفها في مصر؟ قال: «عليك بكتب الشافعي التي وضعها بمصر، فإنه وضع هذه الكتب في العراق ولم يُحكِمها ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك».

وأكد المحاضر أن أغلب ما زاد فيه هي النصوص الشرعية التي جاءت من طريق العراقيين، إذ كان أغلب الحديث الذي وقفه عليه الشافعي من المكيين والمدنيين، فلما ذهب إلى العراق وسمع منهم واطلع على حديثهم وقف على أحاديث لم يكن قد وقف عليها قبل كما في رحلته الثانية حينما قال لأحمد: «إذا صح لك الحديث يا أحمد فاكتبه لي لأعمل به، فإنه لا يعلم جمع الأحاديث في ذلك الزمان كل أحد». وتحدث عن الكتب التي وقع فيها إشكال، ومنها كتاب «رحلة الإمام الشافعي» الذي طُبع قديمًا في الهند ثم طبع بعد ذلك محب الدين الخطيب في مجلد لطيف في عام 1350هـ، وتبنى الخطيب الكتاب ولم يرَ أنّ فيه شيئًا منحولًا إلى قبيل وفاته، فأهداه لبعض محبيه مثنيًا عليه ومعجبًا به، واستعرض المحاضر رحلة الشافعي وما ورد فيها مصحّحًا ما جاء فيها، وانتقل إلى الكتاب الثاني «كتاب الأم» وما أشكلَ فيه عند بعض المتخصصين، ثم تكلّم بإيجاز عن «كتاب الأم» عند الشافعية موضحًا أن البيهقي هو أول من أشار له وهو أعلم الناس بكلام الشافعي، ثم استعرض ما ذكره زكي مبارك عن الكتاب، متحدثًا عما حواه الكتاب بالتفصيل، ثم تحدث عن كتاب «مسند الشافعي» وقال إنه ليس من تأليف الشافعي بل جمعه بعض المتأخرين بعده وهو أبو العباس الأصم رواه عن شيخه الربيع بن سليمان ثم جمع ما نقله الربيع مسندًا عن الشافعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأوضح لطلبة العلم طريقة الإسناد؛ كما تحدث عن كتاب «السنن» وقال: إنما هو من تصنيف الشافعي، وإن له رواة كحرملة والمزني وغيرهم، وإن الذي وصلنا من طريق المزني ومن طريق الطحاوي عن المزني وليس الطحاوي من جمعها.

واختتم المحاضر حديثه بكتاب «الرسالة» الذي ألّفه الشافعي في مراحل مختلفة في العراق ومصر، وألف بعد كتبه الفقهية وهو من كتب الإسلام وأجلّها، حيث وفقه الله عز وجل لإبانة قواعد أهل العلم من الصحابة وتابعيهم وتابع تابعيهم، وقد كتبه الشافعي بلغة عالية.

ثم فُتح المجال للأسئلة التي تفضّل بالردّ عليها والمداخلات التي أثرت الموضوع.

جدير بالذكر فإن هذه المحاضرة جاءت في ختام النشاط المنبري لمركز حمد الجاسر الثقافي لهذا العام، وسيستأنف نشاطه بداية الفصل الدراسي في العام الجديد.

المصدر: